Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

وثيقة «شاحاك» والدور العربي المفقود!

رؤية فكرية

A A
«المستعربون» مصطلح علمي رديف لمصطلح «المستشرقين»، ويبدو أنّ الأوّل - أي المستعربين- قد انصرف إلى عالم السياسة وشؤونها، للدلالة على الشخصيات المنحازة للثقافة العربية والإسلامية. وقد أخرج المستشرقون العديد من الأعمال الهامة، وكتاباتهم وبحوثهم تتسم بالموضوعية أحيانًا، ويداخلها شيء من الهوى والميل الذاتي في أحايين أخر؛ ولكن في كلّ الأحوال نجدهم قد نبّهوا - بهذا الصنيع - المؤسسات العربية والإسلامية؛ لضرورة البحث عن التراث العربي والإسلامي المخطوط، وتقديمه في صور تدلّ على الحاجة للربط بين ذلك التراث الذي أسهم في نشأة الحضارة العربية والإسلامية، كما أسهم بطريق أو أخرى في إثراء الحضارة العالمية والإنسانية، وأجيال الحضارة، التي تحتاج إلى إعادة الثقة في تراثها وحضارتها.

وإذا كان المستشرقون قد أصابتهم الكثير من السهام والنقد من المجموعات التي تشكك في نواياهم؛ فإن المستعربين أيضًا لم يسلموا من ذات السهام، وخصوصًا من أجهزة الإعلام الصهيونية، ويتبدى ذلك جليًّا في عالم السياسة الإنجليزي؛ حيث وصمت عدد من الشخصيات السياسية الفاعلة بتهمة العداء للسامية؛ لمجرد أنهم أبدوا رأيًا مخالفًا لرأي الحركة، فيما يتصل بالقضايا العربية.

وقبل عقد من الزمن نشأت ظاهرة في المجتمع الإسرائيلي؛ حيث تأسست جماعة علمية أطلقت على نفسها اسم «المؤرخون الجدد»، أناطت بنفسها مهمة صياغة التاريخ على الهوى الصهيوني، وإكساب مشروعها الاستيطاني والاستعماري في الأراضي العربية والإسلامية في فلسطين بعدًا دينيًّا وحضاريًّا، بما يكسب كل هذه المظالم التي يقوم بها الكيان الصهيوني «قداسة دينية»، يجد فيها المتعصبون ملاذًا للفظاعات التي يرتكبونها؛ حيث نجد أن كتابات هذه المجموعة قد ظهرت فيها النزعة نحو استنطاق التاريخ على نحو مغاير لما هو عليه منذ القدم، خصوصًا فيما يتصل بحقوق الشعب الفلسطيني، وتسعى الآن قناة الـ (BBC) إلى تقديم برنامج عن هذه الجماعة، مما يلقي الضوء كثيرًا على أهدافها والغايات التي ترمي إليها من خلال نشاطها في الساحة، ولا ننسى أن جماعة «السلام الآن» في إسرائيل تقدّم وجهًا آخر لمجموعات، وإن كانت صغيرة من اليهود، وتتعاضد مع منهج «المؤرخون الجدد» بطريق أو آخر. كما لا ننسى في هذا السياق قيام داعية السلام الراحل إسرائيل شاحاك Shahak Dr Israel اليهودي، غير الصهيوني، بجهود في نصرة القضايا الفلسطينية، وقام بترجمة الوثيقة السياسية الهامة «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط / The Zionist Plan For The Middle East»، وقد ذاق بسبب توجهه الموضوعي كثيرًا من العنت في بلد يزعم أنه ديمقراطي، كبقية البلاد الغربية.

ظللنا لأمد طويل نخشى الاقتراب من اللغة العبرية، ومعرفة حقيقة أدبيات الحركة الصهيونية، وخططها الرامية للاستيلاء على أرض فلسطين كاملة، كما نشاهده اليوم في الوعد الذي قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump، بينما نجد كثيرًا من الإعلاميين والسياسيين والمفكرين الإسرائيليين يجيدون اللغة العربية، ويتحدثونها بطلاقة وكأنهم عاشوا في بيئة عربية، بينما نجد تخوّفًا وابتعادًا من النخب العربية والمؤسسات السياسية عن الولوج إلى داخل هذه الحركة، ومقاومتها بنفس السلاح الذي تستخدمه. ويضاف إلى ذلك أن بعضًا من اللغات الشرقية - كالفارسية مثلًا - لا يلمّ بها إلا القليل، بينما من المفترض أن نعرف حقيقة هذا المجتمع ودور الملالي ورجال الدين فيه، وتوجيهه إلى حيث يريدون من العداء والفتنة في ربوع بعض البلدان العربية. لقد آن الأوان، وأزف الوقت، وحانت الفرصة للتخلص من هذه الفوبيا المتصلة بمعرفة أعدائنا على حقيقتهم، وكشف خططهم الرامية إلى تفتيت المجتمع العربي، كما فعل إسرائيل شاحاك في الوثيقة الهامة التي قدمها قبل ثلاثين عامًا، ولم تهتم بها حتى الآن إلا القلة من رجال الفكر والثقافة في البلاد العربية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store