Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

المَرءُ مَدسوسٌ تَحت لِسَانِه ..!

مُشكلة البَشر أنَّهم يَعتادون الأشياء، ومَع هذا «التَّعوُّد» تتحوَّل الأمور عِندهم إلى مُسلَّمات، ومَتى تَحوَّلت إلى مُسلَّمات صَارت يقينَات، وإذا وَصلت إلى هذه المَرحلة، أصبحوا يُقاتلون مِن أجلها.

A A

مُشكلة البَشر أنَّهم يَعتادون الأشياء، ومَع هذا «التَّعوُّد» تتحوَّل الأمور عِندهم إلى مُسلَّمات، ومَتى تَحوَّلت إلى مُسلَّمات صَارت يقينَات، وإذا وَصلت إلى هذه المَرحلة، أصبحوا يُقاتلون مِن أجلها.. خُذ مَثلاً: تَبادل الأدوار في حَواس الإنسان، بحيثُ تَقوم العَين بدور الأُذن.. وتَقوم اليَد بدور اللسان.. لذلك ليس غريباً أن تَتكلَّم مَع شَخص وتَتحاور مَعه؛ ثُمَّ ينتقل الكَلام إلى لَكم بالأيدي..!ذات مرَّة طَرح عليَّ الصَّحفي الصَّديق «عبدالعزيز النصافي» سُؤالاً ذكيًّا قال فيه: هَل صَحيح أنَّ النَّاس أصبحوا يَقرأون الصّور ويَتفرَّجون على الكَلام..؟!وهذا السُّؤال فَتح لي باباً للمَعرفة، بوَصفي أحد عُمَّالها، لأقول: ولِمَ لا..؟!خُذ مَثلاً: مِئات المُعلِّقين في النِّت على المَقالات والمُقابلات، لا يَتناولون مَا قِيل، بَل يَقرأون شَكل الكَاتِب، ومَلابسه وطُول أنفه، وكميّة الشَّعر الموجود في وَجهه..! وهَذه القِراءة نَوعٌ مِن الإبداع المُتقدِّم، بحيثُ يُعرف الجَواب مِن عنوانه، «وليلة العيد تظهر من عصاريها»..!إنَّني لا ألوم مَن يُعلِّق عَلى الشَّكل ويَترك المَضمون، لأنَّ البُسطاء بفِطرتهم يُدركون أنَّ الشَّكل والمَضمون وَجهان لصُورةٍ وَاحدة، والجَوهر يُشير إلى المَظهر.. ألم يَقل سَلفنا الشِّعري:والنَّفسُ تَعرفُ مِن عَينيّ مُحدِّثِهاإن كانَ مِن حِزبِها أو مِن أعَادِيهَا..!لذلك النَّفس تُعرف مِن عيونِ «الكَاتِب»، أهو مِن الأصدقَاء أم مِن الأعدَاء..؟!ثُمَّ لماذا لا يَكون هُناك تَبادل لمَهام الحَواس، بحيثُ تَقوم العَين بدور الأُذن، خَاصَّة أنَّ صَديقنا الشِّعري «بشار بن برد» «الرَّجُل الأعمى» يَقول مُبرِّراً دور الأُذن بَدل العين:يا قَوْمِ، أُذْنِي لِبَعْضِ الحيِّ عَاشِقَةٌوالأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَاناقَالُوا: بِمَنْ لاَ تَرَى تَهْذِي؟ فَقُلتُ لَهُمْ:الأُذْنُ كاَلْعَيْنِ تُوفي القَلبَ مَا كانَاأكثَر مِن ذَلك، لا يخفى على المُلمِّين بالموروث الشَّعبي، أنَّ أكثر مَثل يَتداولونه يَقول: (الرِّجَال مَخابر وليست مَظاهر)، كما أنَّ الحديث الشَّريف -مِن قَبل ذلك-، جَاء مُؤكِّداً على هذه الفِكرة القَائلة: إنَّ الله -جَلَّ وعَزّ- لا يَنظر إلى صِوركم ولا إلى أشكَالكم ولكن يَنظر إلى قلُوبكم..!حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!بَقي القَول: إنَّ الفيلسوف «النفّري» يَقول: (لن يَصل المَرء للحُبِّ، حتَّى يَسمع بعينه ويرى بأُذنه)..!وممَّا يُروى أنَّ سُقراط يَقول لكُلِّ رَجُلٍ غَريب: «تكلَّم كي أراك»..!صَحيح أنَّ هذه النّقولات والأمثلة لها سياقات مُختلفة، وأنساق مُتلفلفة، ولكنَّها جَميعاً تُشير إلى تَبادل الأدوار عند الحواس الخَمس، اللهمَّ مَتّعنا بأسماعنا وأبصَارنا أبداً ما أبقيتنا، واجعلها الوَارث مِنَّا.. آمين يا رب العالمين[email protected]

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store