Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عبدالرحمن العرفج

كلام عابر في حقيقة سجن الحائر (1)

الحبر الأصفر

A A
إذَا قَرَّر الإنسَان أَنْ يَعمَل عَملًا لله، فإنَّ البَرَكَةَ تَشمله، والمَنفَعَة تُدركه؛ لأنَّ مَا فُعِل لله، كَان جَزَاؤه مِن الله كَبيرًا..!

قَبل أَيَّام، خَاطَبتُ بَعض المَسؤولين، طَالِبًا زِيَارة صَديق عَزيز فِي السِّجن، ولَم تَكُن دَوَاعِي ومُسبِّبَات الزِّيَارَة لَه، إلَّا مَا كَان بَيننَا -وسيَظَل- مِن مَودةٍ ومَحبَّةٍ، وشَيء مِن العيش والملح..!

بَعد طَلَب الزِّيَارة، مَا هي إلَّا سَاعَات، حَتَّى جَاءَتني المُوافَقَة المَشفُوعَة بالتَّرحيب، وسَألُوني عَن الوَقت الذي يُنَاسب جَدْوَلي، فحَدَّدته يَوم الاثنين المَاضي، مِن السَّاعَة الثَّامِنَة مَسَاءً، حَتَّى الثَّانية عَشر لَيلًا..!

وعِندَما ذَهبتُ إلى السِّجن، أَردتُ تَوسيع الأَمْر، فاستَأذنتُ مِن القَائِمين عَليهِ؛ أَنْ أُلقي نَظرَة عَلَى السِّجن وأَقسَامه، وسَاحَاته ونُزلَائه، فقَالُوا: بالتَّأكيد، ويُسعدنا ذَلك، فلَيس لَدينَا مَا نُخفيه أَو نَخَافه، خَاصةً وأنتَ إنسَانٌ لَكَ مَنَابرك وبَرامجك الإعلَاميَّة.. سَعدتُ بذَلك، لأنَّني حَقَّقتُ المَثَل العَربي القَائِل: إنَّ الشَّخص النَّاجِح هو مَن يَضرب عصفُورين بحَجرٍ وَاحِد..!

دَخَلْتُ السِّجن، وفِي ذِهني عَشرَات الكُتب؛ التي قَرأتُهَا عَن عَدَد السّجون، وظَلَام المُعتقلَات، وغَرَائِب التَّعذيب التي رَسخَت فِي ذِهني، مِن خِلال مَا يُقَال عَن السّجون بشَكلٍ عَام، وسجُون مِصر وتُركيا بشَكلٍ خَاص، فِي حُقبةٍ مَاضية..!

دَخَلتُ السِّجن، وإذَا بطَائِفَةٍ مِن الرِّجَال البَشوشين -الذين يَمشُون عَلى أَدبٍ جَم، وأَخلَاق وتَعامل رَاقِيين- بَدؤوا بعَرض نَتَائج مَن تَخرَّج في السِّجن، وحَصَل عَلَى الشَّهَادَة الجَامعيَّة -مِن خِلَاله- عَن طَريق الانتسَاب، ومَن حَصلَ عَلَى المَاجستير، ومَن حَصل عَلَى هَذه المَهَارَة أَو تِلك..!

وأَنَا حِينَ أَتحدَّث عَن السِّجن، فأَنَا لَا أَقصد السّجُون العَامَّة؛ التي يُحَال إليهَا أَصحَاب القَضَايَا الجِنَائيَّة، وإنَّما أَقصد السِّجن الخَاص بأَمْن الدَّولَة، وأَعنِي هُنَا سِجن الحَائِر، وهو وَاحِدٌ مِن خَمسةِ سجُون، تَختَصُّ بالقَضَايَا التي تَمسُّ أَمْن الدَّولَة، مِن إرهَابٍ ومَا يُشَابهه مِن قَضَايَا؛ حَيثُ يُوجد سِجنٌ فِي الرِّيَاض، وآخَر فِي بُريدة، وثَالِث فِي جُدَّة، ورَابِع فِي الدَّمَام، وخَامِس فِي أَبهَا..!

فِي تِلك الزِّيَارَة بَلَغَت الشَّفَافية مُنتهَاهَا، وقَالوا لِي: هَذه قَائِمَة السُّجنَاء، تَخيَّر مَن تَشَاء، وسنَذهَب سَريعًا لتَرَى بعَينك. كَانوا يَتحدَّثون والثِّقَة تَملأ نفُوسَهم، وكَأنَّهم يَقولُون: هَا نَحنُ بَين يَديك، نَفتَح الأَورَاق، ولَيس لَدينَا مَا نَخاف مِنه أَو نَخشَاه. فِي تِلك الزِّيَارَة تَعرَّفتُ إِلَى الأفكَار الخَلَّاقَة، التي تُحسِّن مِن بِيئة السِّجن، وتَرفعَه مِن مَكانٍ للعقُوبَة والانتقَام، إلَى مَكانٍ يَنشد الصَّلَاح، ويُؤسِّس نُزلاءه ليَكونُوا لَبِنَات صَالِحَات لبِناء وَطن يَنتَظرهم..!

فِي تِلك الزِّيَارَة تَعرَّفت إِلَى مَا يُسمَّى بالمَشتَل، وهو مِسَاحَة جُغرَافيَّة كَبيرة، يُمَارس فِيهَا النُّزلَاء الحِرَف، مِثل: بِنَاء الغُرف التَّاريخيَّة، وصنَاعة الكَرَاسي عَن طَريق النِّجَارَة، ويَتدرَّبون عَلَى الفِلَاحَة والزِّرَاعَة مِن خِلال المَشَاتِل، التي يَتحكَّمون فِي طَقسهَا مِن خِلال البيُوت المَحميَّة..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: هَذا جُزءٌ مِمَّا شَاهدَتُ، وسأُكمِل فِي المَقَال القَادِم، بَعض مَا رَأيت، وأَرجُو أَنْ تَضعُوا فِي اعتبَارِكُم -وأَنتُم تَقرَؤون هَذا الكَلَام- أَنَّني أَتحدَّث عَن سِجن، ولَيس مَدينَة تَرفيه، وعِندَما أَقول سِجن، فهو مَكَان لكَي يُراجِع الإنسَان نَفسه، ويَستَغفر لذَنبه، وهَذا المَكَان يَحمي الإنسَان مِن نَفسهِ، قَبْل أَنْ يَحمي المُجتمع مِنه، إنَّني أُكرِّر أنَّه سِجن ولَيس مَدينَة تَرفيه، بمَعنَى أَنَّه لَن يَكون مَكَان جنَّة، ولَكنَّه قَطعًا لَيس مَكَانًا للتَّشفِّي والانتقَام، أَو التَّعذيب ومُمَارسة الأَعمَال الوَحشيَّة..!!

Nabd
App Store Play Store Huawei Store