كيف يمكن للمرء أن يستمر في الكتابة عن موضوعٍ بالعنوان أعلاه، في ظل «مذبحة» يبدو التاريخ، نفسهُ، مذهولاً من رؤيتها في الغوطة هذه الأيام.
ليس ما يجري في تلك المنطقة من العالم «مأساةً» ولا «حرباً أهلية»، واستعمال هذه التعبيرات نوعٌ من التزييف، قصداً أو دون قصد، لحقيقة ما يجري.. فرغم أن التاريخ شهد المذابح والحروب من كل نوعٍ ولون، لم يحدث أن يتفرج العالم على «المجزرة»، الوصف الأنسبُ لما يجري، بالصوت والصورة والبث الحي المباشر.. هذا وجهٌ من وجوه الفرادة البشعة والسوريالية السوداء فيما يتعلق بالحدث.
الوجه الآخر، الأنكى والأكثر قذارةً، بكل مقياسٍ إنساني وأخلاقي، ممارساتُ النظام الدولي السياسي وألاعيبه ومناوراته المتعلقة بالموضوع.. ففي حين أن مثل هذه الممارسات كانت موجودة دائماً، إلا أنها كانت، في إخراجها، تُعبّر عن معاني المناورة والألاعيب، بمعنى محاولة تحقيق أهداف غير مُعلَنة من خلال تغطيتها بسياسات واجتماعات وتصريحات ولجان تُخفي تلك الأهداف.
أما في الحالة السورية عموماً، وفيما يتعلق بوضع مذبحة الغوطة تحديداً، يبدو واضحاً أن تلك الممارسات تندرج فيما يُعبّر عنه المثل القائل «فركُ الجرح بالملح».. بمعنى أن إخراج المناورات والألاعيب وتوزيع الأدوار يبدو مقصوداً منه أن يكون مفهوماً، ومفهوماً جداً للسوريين. وأن يُرسل رسالة إليهم بأننا نعيش اليوم، كبشرية وليس فقط كسوريين، زمن الخِسّة السياسية العالمية في أجلى معانيها. أما مضمون الرسالة فإن كل التفاصيل الهزلية لمجلس الأمن تحديداً، والمتعلقة بسوريا، تبدو حريصةً جداً على إيصاله للسوريين: «خيارُكم بين الاستسلام والموت! ليس ثمة خيارٌ ثالث على الإطلاق. وسيُعطَى النظام السوري، ومعه روسيا وإيران، وكل ميليشيات الموت والظلام الفرصة تلو الأخرى، حتى يتحقق أحد الهدفين».
تحدثنا في جزء سابق عن اختلاط الخير بالشر في طبيعة الإنسان على الأرض، وعن حتمية أن يوجد فيها على الدوام من (يُفسد فيها ويسفك الدماء)، في مقابل مَن يتحرك ليكون (رحمةً للعالمين). أكثر من هذا، أكّدنا بأن تصديق أي إنسان بالرسالة يحمل في طيّاته التزاماً حاسماً من قِبَلِه بكونها (رحمةً للعالمين)، قبل أي شيء آخر. وأوضَحنا أن التحدي يزداد، فيما يتعلق بهذا الالتزام، عندما يصدر عن بعض أولئك (العالمين) ما يؤذي حامل الرسالة، أو غيره من البشر، بأشكال مختلفة.
لم ولن يتغير إيماننا بهذا المبدأ، بمعانيه المعرفية والحضارية والإنسانية الكبرى، رغم كل ما يجري في العالم، متضمناً مجزرة الغوطة.. لكننا نعيد التأكيد بأن مشهداً يجري لقرابة ٤٠٠ ألف مدني محاصر، وَصَفهُ المفوض الأعلى لحقوق الإنسان الأمير زيد رعد بن الحسين، بأنه: «نهاية العالم، نهاية عالم متعمدة، مخططاً لها وينفّذها أفراد يعملون لحساب الحكومة، بدعم مطلق على ما يبدو من بعض حلفائهم الأجانب».. هو عارٌ على جبين صانعي القرار في العالم شرقاً وغرباً، لن تتأخر لعنته عليهم أجمعين.
ونعيد التذكير لمن يبحث عن أي أمن وسلام واستقرار في أي مكانٍ من هذا العالم بأن الحدَث، ومن ورائه المأساة السورية بأسرها، جزءٌ من مخاض ولادةٍ جديدة سيشهدها العالم، ولو أنها ستحصل بعد عنفٍ كثيرٍ قادم.. سيأخذ في طريقه كل من أفسد ويُفسد في الأرض، وكل من يُشارك في إهلاك الحرث والنسل، وكل من يوقد نار الحروب، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
مع يقيننا أن هذا لن يجري بمعجزةٍ من السماء، وإنما بقوةٍ هائلة كامنة في سنن الاجتماع البشري وقوانينه، ستفرض نفسها وجبروتها، وتسري على الجميع نهاية المطاف.
من هنا، لم يكن غريباً أن يكتب الدكتور حبش، بعد زيارته لروما، والتي بدأنا حديثنا كله بها، مقالاً في مجلة (شؤون سورية) بعنوان: «صناعة الإرهاب قراءة في النسخة الأمريكية»، يقول فيه: «لقد كتبت أكثر من ألف مقال في مواجهة التطرف تفكيراً وتكفيراً وتفجيراً، وأشرت مراراً إلى الجذور الأصول المؤسسة للإرهاب في تراثه الثقافي والاجتماعي.... لكن مؤسسي الإرهاب الحقيقيين يقيمون في مكان آخر، وهم ليسوا بالضرورة من خريجي تورا بورا ووزيرستان، ولم يكونوا في الرقة أو الموصل، ولا يلبسون الجلابية الأفغانية ولا الكوفية العربية.... إنهم هذه المرة رجال أنيقون يلبسون الكرافتة الحمراء ويتصدرون منصات.. (بعض حكومات العالم المتقدم).. ويُطِلُّون على الإعلام كل يوم».
ربما بات واجباً أن يكتب الدكتور حبش، والمجموعة التي زارت البابا معه في رسالة للسلام ولإهدائه كتابه (إسلام بلا حروب)، رسالةً لزعيم الكنيسة الكاثوليكية تضعه أمام مسؤوليته، ومسؤولية الكنيسة وكل رعاياها، وهم بمئات الملايين، لحماية البشرية من انتحارٍ قادم على يد صانعي القرار الدوليين، وليس فقط لحماية السوريين.


