لم يفاجئني المفكر خالد الزعفراني أثناء الحوار معه في نهار رمضان، وهو يطلق قذائفه بقوة مدفع الإفطار في كل اتجاه، داعيًا إلى تحرك عاجل لمواجهة أزمة الفكر العربي التي تعصف بالشباب وتقوده إلى أتون الحيرة الفكرية، ونيران التكفير والتطرف.. ويتساءل «الزعفراني» عن الأسباب الكامنة وراء تعثر جيوش المثقفين والعلماء في التصدى لتفنيد المزاعم التي يتكئ عليها الإرهابيون في تجنيد الشباب، داعيًا إلى رؤية رشيدة واضحة لأفكار الحاكمية لله، والولاء والبراء، ودار الإيمان والكفر حتى يعرف الشباب أين يقف.. أما بالنسبة للحوار بين الأديان والثقافات فيرى أن النجاح لن يكون كبيرًا، في ظل تحويل الغرب الدين إلى قومية لتحقيق مآربه ومطامحه السياسية، مؤكدا أن التاريخ يعج بنماذج صارخة. ويطالب «الزعفراني» بضرورة انطلاق حوار سني سني أولا، يتبعه حوار سني مع الشيعة المعتدلين للاتفاق على الثوابت. ويقرع «الزعفراني» الأجراس في هذا «الحوار» منبّهًا على أهمية اللحمة الفكرية والوطنية للحفاظ على الدولة الوطنية أمام طوفان الإرهاب عابر الحدود، مؤكدًا أن فكر «الإخوان» إلى زوال، وسيكون مجرد سطرين في كتب التاريخ.

ويتوقف «الزعفراني» في الحوار عند جهود الأمير محمد بن سلمان، مؤكدًا أن دعوته تمثل عودة إلى الإسلام الحقيقي الوسطي الذي يقوم على الاعتدال والقدوة الحسنة.. تفاصيل كل ذلك في ثنايا هذا الحوار..

أزمة قديمة



كيف تقرأ أزمة الفكر العربي حاليًا؟

الأزمة لا تعود إلى اليوم، وإنما إلى ما قبل عام 1948م، عندما كانت الاتجاهات الليبرالية هي السائدة في المنطقة العربية، وبعد هذه الحقبة شهدنا العسكرة الاشتراكية، التي انتهت بهزيمة 67، ممثلة صدمة كبيرة في وجدان الشباب العربي، وأدى ذلك إلى حالة من التحول إلى الفكر الإسلامي على أيدي سيد قطب ومحمد قطب، أسفرت عن بروز الفكر المتشدد، وحالة من جلد الذات مردها إلى أن الهزيمة كانت نتاج الاقتراب من الفكر الاشتراكي. وسادت في السبعينات الميلادية أفكار التكفير المتشددة في مصر على يد سيد قطب بتعبيراته الحادة عما أسماه المجتمع الجاهلي، الأشد جهلاً عن الجاهلية الأولى قبل بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلم.

انتعاش التكفير



إلى أي مدى ساهمت المتغيرات السياسية والفكرية في انتعاش الفكر التكفيري بعد ذلك؟

يمكن القول إن الغزو الروسي لأفغانستان كان عاملاً رئيسا في ذلك بعدما ظن البعض أن الذهاب إلى هناك لقتال الروس هو الجهاد في سبيل الله، ومع عودة الذين سافروا من هناك إلى مجتمعاتهم العربية انتشر الفكر التكفيري في العالم العربي كله، بعد سيطرة فكرة الحاكمية لله على الكثيرين، وهي ذات الفكرة التي كانت تقف وراء بروز الخوارج منذ أيام عهد سيدنا علي رضى الله عنه. وفاقم من الأزمة خروج تلاميذ سيد قطب من السجون على أيدي السادات ليواجهوا المد الشيوعي، فانتشرت جماعات التكفير والهجرة والقطبيين وجماعة الجهاد وغيرهم.

ثقة مشروخة



كيف تنظرون إلى ثورات الربيع العربي فكريا؟

الحقيقة التي يجب الإقرار بها هي أن هناك شرخًا واضحًا في جدار الثقة بين الشباب والمؤسسات الرسمية، وهو الأمر الذي أدى لصعود جماعة الإخوان الى صدارة المشهد في عدد من الدول العربية، ولكن تكشفت الحقيقة عندما اتضح للجميع انغلاقهم وتطرفهم وانكفاؤهم على مصالحهم الخاصة فقط، فلم يلبثوا في السلطة طويلاً. ويمكن القول بكثير من الاطمئنان إن المؤسسات الثقافية والدينية بدأت تنشط إلى حد ما حاليًا من أجل استعادة ثقة الشباب ونفض غبار الفكر التكفيري، وذلك على الرغم من الفوضى العارمة والحيرة الفكرية التى تسيطر على مقدراته حاليًا.

دور محوري



ما الدور الذي يمكن أن يلعبه «مركز الاعتدال» الذي تحتضنه المملكة حاليا في مواجهة التطرف على المستوى العالمي؟

الحقيقة إن هذا المركز الذي تم افتتاحه بحضور عالمي تقدمه الرئيس ترامب وقادة الدول العربية والإسلامية، يعكس الدور المحوري للسعودية في مواجهة الإرهاب والتطرف على كافة الأصعدة، ونحن نأمل في أن يقوم بدوره كاملاً من خلال الخبراء العاملين به في التصدي للفكر الإرهابي، وبيان سماحة الأديان التي تدعو إلى التقارب، وقد سبق ذلك أن دعت السعودية منذ سنة 2004 إلى إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، وتبرعت له بمئة مليون دولار حتى ينهض بمسؤولياته. والواقع أن كل الجهود يجب أن تنصب حاليًا على التصدي للفكر المتطرف والإرهاب عابر الحدود وتعرية مواقف الدول والمنظمات الداعمة له، وفي سبيل ذلك يجب أن يكون الهدف الأول هو حماية الدولة الوطنية التي تتعرض لمؤثرات عنيفة على الصعيدين الاجتماعي والإعلامي.

تحرير الإسلام



على أي صورة ترى دعوة الأمير محمد بن سلمان إلى العودة للإسلام المعتدل الصحيح وانعكاساتها المستقبلية؟

إن دعوة الأمير محمد بن سلمان تصب في الاتجاه الصحيح لتحرير الإسلام من خاطفيه أصحاب الأفكار المغلوطة، وكنت أتمنى لو كانت قبل عشرين عامًا على الأقل، ولكن أن تصل متأخرًا خير من أن لا تصل أبدًا، وأرى إنها دعوة مستنيرة إلى الإسلام الحقيقي الذي يحتوي الجميع من إندونسيا شرقًا إلى الغرب. فالإسلام جاء لجميع الجنسيات واللغات، مخاطبًا الجميع بوسطيته، وقد دخل الكثيرون الإسلام في شرق آسيا على إثر رؤيتهم السلوكيات المستنيرة للتجار المسلمين، والتاريخ يحفل بنماذج عديدة في هذا الإطار.

تعنت غربي



برزت في السنوات الأخيرة دعوات لتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان.. أي مستقبل لهذه الدعوات؟

في اعتقادي أن المسلمين منفتحين بشكل كبير على جميع الثقافات بدون أي مشكلات، ويمكنني أن أُرجع عدم حدوث اختراق في هذا الملف منذ سنوات إلى الغرب الذي ينظر إلى الدين كقومية، ويوظّفه من أجل تحقيق طموحاته وأطماعه، والتاريخ القديم والحديث حافل بأمثلة صارخة على ذلك، وفي كل الأحوال يبقى الحوار مطلوبًا من أجل إثراء المكتسبات والقيم الإنسانية المشتركة وتحييد الجوانب الخلافية.

حوار داخلي



البعض يلوم المؤسسات العربية والإسلامية في اهتمامها بالحوار مع الخارج فيما الداخل يعاني ترهلاً فكريًا.. ما قولك ؟

دعني في البداية اتفق مع هذا الطرح المتجدد، وأؤكد بالفعل حاجة أهل السنة إلى حوار ذاتي مع أنفسهم أولاً من أجل وضع إطار فكري عام للرد على الفكر التكفيري المتطرف الداعي إلى العنف، وتفنيد أفكار جماعات الإرهاب التي تقول بالحاكمية والعنف في سبيل تحقيق أهدافها وإصلاح هذا المجتمع الكافر كما تزعم، وقد دأبت على الافتئات على كلام الله عن غير علم، وتطويع الآيات القرآنية في غير مواضعها من أجل تحقيق أهدافها الخبيثة، والحقيقة إننا في أشد الحاجة إلى الوصول للشباب من أقصر الطرق.

الركيزة الأساسية



وهل تتضمن البداية الصحيحة أيضًا إطلاق حوار سني شيعي؟

بكل تأكيد، وأنا على قناعة بأن الأزمة تنبع من الجماعات الشيعية المتطرفة التي تسب الصحابة رضى الله عنهم، ولتكن البداية مع الشيعة بالداخل لتعزيز ولائهم للدول العربية التي يقيمون بها وليس أي دولة خارجية، ولهذا الأمر وسائل كثيرة المسؤولون على مختلف المستويات أدرى بها، إذ لا يخفى أن تعزيز اللحمة الوطنية في زمن الفتن الراهن هو الركيزة الأساسية لحماية الدولة الوطنية من محاولات تفكيكها على أيدي دول وأجهزة مخابرات خارجية لا تريد للدول العربية أي خير.

زوال حتمي



وكيف تنظرون إلى فكر «الإخوان»؟

جماعة «الإخوان» بممارساتها والأفكار التي تعتنقها لتبرير ما ترتكبه من عنف استنادا إلى فكرة الحاكمية لله، لا تستطيع التعايش مع الأنظمة العربية ولا الشعوب ولا الجماهير، وفي اعتقادي أن مصيرها إلى الضعف، وستصبح مجرد أسطر في التاريخ خلال سنوات قليلة، مثل غيرها من الجماعات.

تطويق ومحاصرة



برأيك ما هي أقصر الطرق لمواجهة الإرهاب؟

لدي قناعة منذ سنوات أن الإرهاب فكرة، وطالما طوقنا الفكرة، والبيئة الخصبة التي تؤدي إلى انتشارها، فإننا على الطريق الصحيح، وأرى أن العمل الأمني الناجح وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يعمل معه على خطوط متوازية المسؤولون عن تكريس الفكر المعتدل سواء في الإعلام أو الثقافة أو المدارس والجامعات.