تشكيل السحاب



أي بارقة قادت خطاك إلى عالم الحرف؟

تشكّل عشقي بالكتابة عبر المكان الذي نشأت فيه؛ قرية جبلية جنوب غرب المملكة، حيث السروات.. لم أقرر أن أحبّ المكان بدءًا، لكني وجدته يهبني كل شيء أريده.. هكذا وجدت نفسي صغيرًا دون العاشرة أحصّن غنيماتي بتمائم العشب لتبقى قريبة مني، وأستلقي متأملاً السحاب والغيوم، وأشكّل منها جبالاً وجيوشًا وحيوانات مفترسة وأليفة وطيورًا، وأصفّها أرتالاً من القطن. سُحُبٌ تتحرّك من الغرب للشرق، أراها كلّ يوم وأودّعها حزينًا وما تلبث أن تأتي غيرها فيبدأ تشكيل جديد ومعارك سماوية فوق رأسي.. هكذا أقضي «سحابة» يومي، وأعود عند الغروب محمّلاً بالصور البيضاء الخفيفة والرصاصية المحملة بالغيم، مشاهد تداعب خيالاتٍ وتشّكل أفقًا عاليًا لأحلامي وقت المنام. ومن هنا تشكّل الشغفُ بالمكان فاستجاب القلم وانثالت القصص.

نقد وترجمة



أي حصيلة خرجت بها من تجربة هذا الانثيال.. وكيف تقيمها وماذا ترجم منها؟

أصدرتُ أربع مجموعات قصصية كان آخرها «رجفة العناوين» 2018م. أما التقييم للتجربة فليس من حقي، لكنه من قبل النقاد المختصين والقرّاء ذوي الاطلاع والمتابعة والتذوق للفن القصصي. وعمومًا يمكنني القول إن إنتاجي القصصي بدأ يحظى في الفترة القليلة الماضية بالعديد من القراءات النقدية المعمّقة، ومنها الرسائل والدراسات الجامعية، والأبحاث الفائزة بجوائز على مستوى الخليج.. أما الترجمة فإلى اللغة الإنجليزية تُرجم ونشر لي نص واحد هو «وصّية ثيسجر» ضمن مشروع وزارة الثقافة والإعلام عام 2011 على ما أظن! ولدى الدكتور عبدالله الطيب مشروع نشر أنطولوجيا للقصة القصيرة مع عدد من الكُتّاب العرب إلى لغة شكسبير، ولي نص قصصي ضمن هذا العمل سيرى النور في العام القادم بحول الله.

اتهام زائف



بعضهم يتهمك بالغموض والرمزية بما يحجبه عن التفاعل مع نصوصك؟

لا أظن هذا الأمر أو «التهمة» صادرة بعد قراءة مباشرة لإصداراتي، التي أعدّها محاولة بسيطة لإضافة شيء مهم في زعمي للمشهد القصصي السعودي وربما العربي. علمًا أن الغموض والرمزية مصطلحان يحتاجان لتفصيل وبحث، ويمكن قراءة قصة «كيف لا أحبّها» للتعرف على بعض ذلك.

نبش الواقع



هل مازلت تراهن على القصة.. وهل هي صناعة أم عاطفة لديك؟

عاطفتي تصنع قصصي، وقصصي اليومية وعوالمي البسيطة تشكل نظرتي لهذا العالم المسكون بالدهشة؛ بل إنني أزعم أنني أتخلص من اعتيادية الألم وشساعة الجمود باكتشاف كل ما يوصل للفضاء الأثير الذي أتحرك فيه: نبش الواقع وضخ جماليات جديدة ربما كانت غائبة. وهنا أجيبك عن الشطر الأول للسؤال.. نعم؛ لازالت القصة عالمي ومكان رؤيتي التي أرى منها العالم!

إفساد وتزييف



العمل اختطفك.. فكيف ترضي قراءك في ظل قلة مشاركاتك المنبرية؟

عند الحديث عن العمل فهو لقمة العيش والسعي إلى ما يسدّ الرمق ويحقّق الكفاف. أما المشاركات الثقافية فهي قليلة لضعف العلاقات وقلة التواصل الموصّل إلى المنابر ولظروف العمل والأسرة.



في المشهد القصصي ثمة أسماء صيتها أكبر من منجزها؟

العلاقات كما قلت لك تفسد المشهد الأدبي وتعطي شعورًا زائفًا، وتفقد القارئ ثقته فيما يكتب.. لكن «الزمن كفيل بالغربلة»، وهذا رد القصيبي - رحمه الله - عندما سئل عن كثرة الغث وطباعة كتب ودواوين لا تساوي ربع الحبر الذي كُتبت به!

مشكلة عربية



القصة والرواية خلخلتا مقولة «الشعر ديوان العرب».. فهل يصمد؟

كل شكل أدبي من حقه الصمود والبقاء، طالما امتلك ناصية التعبير عن الإنسان في حالاته الأنقى والأصدق. المشكلة أننا في العالم العربي نعتمد نظرية الصراع والإزاحة والغلبة لفن على فن آخر فنطلق أو نروّج لهذه المقولات!

ذائقة جديدة



قصيدة النثر ما زالت تراوح بين الرفض، التحفظ، والقبول المنقوص.. ما قولك؟

قصيدة النثر مرحلة من مراحل تطور القصيدة العربية، التي استجابت لمستجدات الحياة وروح العصر في كل زمان، ورؤيتي لها أنها حسب ما قرأت من نماذجها، لا تخرج عن كونها شكلاً من أشكال التعبير الأدبي، ولا أرى وجها مقبولاً لرفضها أو التحفظ عليها.. ومعظم أصدقائي من الشعراء هم من كُتّابها.. وهم في رأيي أيضًا يسعون لاقتناص ذائقة جديدة تكتب اللحظة وتعبر عن ذات الشاعر وانكساراته في زمن لا يعترف بالشاعر ضمن التحشيد والذوبان في وعي - لاوعي جمعي مشكوك فيه معرفيًا وإنسانيًّا.

ظروف خاصة



أدباء منطقة أبها تفرقوا عنها.. فمن أي الأبواب يعودون؟

تعني الكُتّاب والأدباء من عسير؛ المنطقة الواسعة. نعم دعونا البعض منهم، وشاركونا بعطائهم وفكرهم في محاضرات وفعاليات عديدة، والبعض الآخر لم يتمكن لظروفه الخاصة.

حضور نسائي



ظهور المرأة في منابر الأندية الأدبية إما على استحياء أو من وراء حجاب.. إلى متى؟

المرأة المثقفة حاضرة في نادي أبها، وشاركت أدبيةً مبدعةً في إدارة العديد من الفعاليات؛ بل قامت في الإعداد والتقديم للكثير من الأنشطة. أما مسألة المنصة فنادي أبها كمعظم أندية المملكة تقدِّم المرأة مشاركاتها من خلال القاعة النسائية. وربما في قادم الأيام تجد بنات حواء الفرصة للتقديم من المنصة الرئيسة في ظل وجود قاعة حديثة مجهزة بكامل التقنيات؛ أعني المسرح المزمع افتتاحه قريبًا.

وضع مربك



الوضع في الأندية الأدبية يكتنفه الغموض حول آلية التشكيل الإداري والمآل المنتظر.. أين يكمن الحل؟

المشكلة ليست في الأندية الأدبية ذاتها، فهي مؤسسات قائمة منذ عقود وتقوم بدور جيد لخدمة الثقافة والأدب في المملكة، تكمن المشكلة في الفترة الأخيرة في القائمين والمسيّرين للأمر في الوزارة، ثم شكّل ظهور الهيئة العامة للثقافة حالةً أربكتْ المشهد، وتأرجحَ الوضع بين التمديد أو الانتخاب، وهذا أجّل اعتماد اللائحة على أمل أن تكون الأندية الأدبية ضمن هيكلة الهيئة الوليدة، لكن ذلك لم يتحقق، فعدنا للمربع الأول. انتخابات أم تعيينات؟ لائحة قديمة أم لائحة جديدة!؟ أرى أن يعمد القائمون على وزارة الثقافة والإعلام إلى انتخابات جديدة بلائحة منقحة، لا تسمح بالارتجال، وتسعى إلى تقليص الاعتراضات إلى حدها الأدنى، ويبقى الأدب شعرًا ونثرًا ضمن منظومة العطاء الثقافي والتفاعل المجتمعي مع المؤسسات الراعية للإبداع، دون أن يلغي هذا التعاونَ المنتظرَ بين الأندية والهيئة المعنية بالثقافة بمعناها الواسع.

اتهام مكرور



في المشهد الثقافي.. المشاركات الخارجية متهمة دائمًا بـ»المحاباة والشللية»؟

قد تكون المحاباة والشللية موجودتين كأمراض ثقافية منبعها خلفيات مجتمعية واستغلال الصداقات والعلاقات والتكسّب بالمصالح المتبادلة في هذا، وكلنا أمل ورجاء أن تختفي أمراض الثقافة هذه مع وجود رؤية وقرارات واضحة للقضاء على الفساد باعتبارهما (المحاباة والشللية) من مظاهره.

خيارات جمالية



كيف تقرأ رؤية المملكة 2030 من منظور ثقافي؟

الرؤية، التي صارت كفعل مساعد لأحاديثنا وتوقعاتنا، أقرؤها على نحو استشرافي كبير تهدف إلى إطلاق طاقاتِ تعبيٍر جديدة، وهي طاقات كان يظنُّ سابقًا أنها غير ممكنة أو غير متحققة، فجاءت الرؤية العديد من الأمور في نصابها.. وستكون رؤية 2030م ناجحة طالما استهدفت الإنسان كي يمارس الحياة في خيارات جمالية إبداعية باحثًا عن الفن في داخله والوعي بمستقبله وتطويع طاقاته ليكون شيئًا في عالم متجدد.

إلى زوال

* متى تنتهي ظاهرة «الوصاية على الثقافة»؟

لا ننكر أن بعض المعترضين حاول منع نشاط أدبي هنا أو اعترض على وجود سين أو صاد على المنصة هناك أو في البرنامج الثقافي لنادٍ ما، وقد وصل الأمر إلى حرق خيمة معدّة لنشاط ثقافي، ولهذا وجدنا أندية ربما سعت لـ(شراء راحتها) والرضوخ جزئيًا أو كليًّا لهذه التصرفات (الوصائية) لكن هذه الصورة ستكون من الماضي عما قريب.

وعي مغاير

* كيف تقرأ مشهد الأعمدة الصحفية ورقية وإلكترونية؟

لا أزعم أني متابع جيد للمقالات الصحفية وكتّابها، لكن أجزم أن القابضين منهم على جمرة الوعي والمصداقية يواصلون عملهم بدأب.. بل إن بعضهم فيما أسمع يتحمّل الإساءة من أجل مواصلة الرسالة التي اختطها لنفسه، وبات ينتظرها القارئ منه. وربما أصبح بعض هؤلاء كتّابَ دراما ومؤلفي روايات يشكلون وعيًا مغايرًا، بعد أن عُرفوا سابقًا كُتّاب مقالات يومية.

فعاليات ضعيفة

* هل أنت راضٍ عن الأنشطة الأدبية بالجامعات.. وأي شيء يمنعها من التواصل مع الأندية الأدبية؟

تتواصل الأندية الأدبية مع الجامعات في العديد من الفعاليات، ورأينا الأساتذة يمدّون المشهد ببعض نتاجهم النقدي. أما الرضى عن تلك الفعاليات وعن دورها في تشكيل وتنمية وعي أبنائنا الطلاب فلا أظنها قادرة على ذلك من خلال واقعها الحالي، ونرجو من الجامعات العشرين أو أكثر أن تخطوا للأمام خطواتٍ كبيرةً لردم الهوّة وكسب ثقة الطالب وجعله على المسار الصحيح. أما الفعاليات التي تقيمها الجامعات فتبدو ضعيفة ودروها محدود بالبيئة الجامعة المحاصرة ببعض القيود الروتينية والتصنيفية.

رابطة الأدباء

* ألم يئن الأوان لإنشاء رابطة للأدباء؟

بل آن الأوان وتأخر كثيرًا، فهلّا أسرعت الوزارةُ وأصحابُ القرار باعتمادها، وأنا أجزم أنها ستكون حلًّا مناسبًا لمعضلة اسمها (تعارض عمل الأندية الأدبية وهيئة الثقافة) فالأولى يمكن أن تقيم نشاطاتها حسب فعالية أعضائها والمناسبات الوطنية والعالمية ومن ثَمّ تمثل المملكة خارجيًّا في الاجتماعات العربية لاتحادات الأدباء، أما الثانية فتعنى بالشغل الداخلي للشؤون الثقافية عمومًا.

* وماذا عن هيئة الثقافة؟

أتمنى لها وللقائمين عليها كل التوفيق، وللوطن وفعالياته في ظلها كل الألق والتجدّد، وبانتظار حل التداخل الحاصل بينها وبين الأندية الأدبية.

* لم لا نرى دورًا للنقد السعودي يوازي الإنتاج الإبداعي الغزير؟

أضمّ صوتي لصوتك في هذا التساؤل الكبير!

بنت الرخاء والشدة

* جدة غير.. فكيف هي في خاطرك؟

جدة المدينة، جدة الفضاء، تظل مكانًا مفتوحا للحياة والحضارات والتفاعل الإنساني. تبقى نصًا فوق الكتابة، لكني كتبتُ العام الماضي قصة قصيرة جدًا عنها (عن جيم جدة تحديدًا) أوجزت فيها العلاقة الطويلة معها، وسأكتب غدًا نصًّا آخر، وبعد عام سأكتب نصًا جديدًا، وسيكون لجدة نكهة خاصة في كل مرة نكتبها أو تكتبُنا هي!

ثقافيًا جدة مدينة رائدة وواجهة متقدمة وقادرة على صنع جمالها الفارق، لكن علينا أن نتذكر أنها تحمل مآسيَ وجوه ساكنيها المتعبين، وتحمل أيضًا أخطاء كل من يعكّر جمالها ويمنع تحليقها بين أجمل المدن.