أحب جدًا الموهوبين، لكنني أحترم المجتهدين بدرجة أكبر، فالموهوب قد يُحقِّق طفرة، يحدث بعدها تراجع لعوامل لا دخل له فيها، كالتقدُّم في العمر مثلًا، ثم إن الموهبة قد لا تتكرر أو تتكاثر بالضرورة، أما المجتهد، فهو في الغالب نتاج نظام وضعه هو لنفسه، أو هيَّأه المجتمع له، ولهذا ينتج الاجتهاد نظامًا قادرًا على الاستمرار والتطور. ما حمل الفرق العربية إلى بلوغ نهائيات كأس العالم لكرة القدم في روسيا، هو طفرات ساهم بالنصيب الأوفر فيها، بعض أصحاب المواهب، أما ما عجَّل بخروج هذه الفرق جميعها من الدور الأول، فهو غياب الاجتهاد المؤسساتي، الناتج بدوره عن تباطؤ حاد في استيعاب قِيَم الحداثة، وتأسيس متطلبات الانخراط الواعي فيها. لا شيء بنظري يُفسِّر حال الفِرَق العربية في مونديال موسكو، مثل ما ذهب إليه المؤرخ الأمريكي/ البريطاني ديفيد فرومكين في كتابه peace to end all peace والذي نُشر مترجمًا تحت عنوان: (سلام ما بعده سلام) من أن مشكلة منطقة الشرق الأوسط أن شعوبها انعزلت طويلًا (لعدة قرون) عن حركة التاريخ، وأن محاولات دمج تلك المنطقة في رحلة الإنسانية إلى المستقبل، مازالت تجد مقاومة عنيدة من ثقافات محلية تصرُّ على خلط ما هو ديني بما هو قومي بما هو قانوني أو سياسي. مشكلتنا الحقيقية كانت وما زالت على مدى قرون، هي إخفاقنا في الإجابة عن سؤال الهوية: من نحن؟!.. إلى أين تكون وجهتنا؟! ما هي أدواتنا لبلوغ تلك الوجهة؟! يقول فرومكين في خاتمة كتابه الجدير بالقراءة: «قد يأتي يوم تتراجع فيه التحديات لتسويات سايكس - بيكو، أي لوجود الأردن، وإسرائيل والعراق ولبنان، أو لإقامة حكومات علمانية قومية في الشرق الأوسط، وبدون التغلب على تلك التحديات (التي تُجسِّدها حركات دينية أو قومية)، فإننا سنرى يومًا الشرق الأوسط الذي عرفناه في وضع شبيه بوضع أوروبا في القرن الخامس الميلادي، عندما ألقى انهيار سلطة الإمبراطورية الرومانية الغربية، برعاياها في خضم (أزمة حضارة) فرضت عليهم العمل من أجل إيجاد نظام سياسي من صنعهم، فقد احتاجت أوروبا إلى ألف وخمسمائة عام لتحل أزمة هويتها الاجتماعية والسياسية، بعد زوال الإمبراطورية الرومانية، منها ألف سنة من أجل إنجاز شكل الدولة - الأمة، وقرابة خمسمائة عام أخرى، لتقرير من هي الأمم التي تملك الحق بأن تُشكِّل دولًا. أزمة منطقتنا اليوم منذ سقوط دولة الخلافة، بحسب فرومكين، تُشبه أزمة أوروبا عقب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، لكنها بالطبع، لا تحتاج ولا تحتمل الانتظار ألف وخمسمائة عام أخرى، من أجل إنجاز هوية مستقلة، تسهم في انخراط المنطقة في سياق حضارة إنسانية، تجاوزت منذ زمنٍ بعيد، معوّقات مازالت منطقتنا تنتجها بدأب. مشهد الخروج الجماعي للفِرق العربية من الدور الأول لمونديال روسيا، بهزائم وقع أغلبها في الدقائق الأخيرة من كل مباراة، هو مشهد كاشف لأزمة علاقة بين العرب وبين العصر. بين الهوس بالموهبة، وبين الإيمان بالاجتهاد. نعم.. لدينا موهوبون، لكننا نفتقر إلى مؤسسات الاجتهاد، التي تُكرِّس قِيَم النجاح، وتتيح إنتاج أجيال من المجتهدين، يمكنهم عبر العلم وحده، إنجاز خطط وبرامج، وتحقيق أهداف وبلوغ غايات. شخصيًا، ليست لديّ أدنى أوهام بشأن مستقبل نستطيع فيه إنجاز مشاركة مثمرة في أي مونديال قادم، قبل أن نحقق إنجازًا حقيقيًا في مجال التصنيع، فعلاقات الإنتاج الدقيقة والصارمة في بيئة الصناعة، لا تضمن لنا منتجًا خاليًا من العيوب، قادرًا على المنافسة فحسب، لكنها عبر خطوط الإنتاج، تُسهم في تطوير الهوية وبناء الشخصية، لشعوب غابت طويلًا عن منصات التتويج الصناعية والعلمية والزراعية والتجارية. الدقة، والانضباط، وسلامة التوقيت، كلها عناصر حيوية لتَقدُّم الصناعة في أي وطن، وهي بذاتها القِيَم المنتجة للنجاح، والكفيلة بتحسين صورة الحضور العربي في كل مونديال. قد نكون أمة قادرة على إنجاب موهوبين، أفلتت جيناتهم الوراثية من الدمار لأسباب تتعلق بالقضاء والقدر، لكن موهوبينا لا تتجلى مواهبهم إلا في مختبرات الغرب ومعاهده وجامعاته وملاعبه. لكننا لم نبلغ بعد طور الأمة القادرة، عبر نظام محكم، على إنتاج مجتهدين، يُؤمنون بالنظام، وينصاعون لمقتضياته، باعتبارها شرطًا لا يتحقق النجاح في غيابه. أوروبا التي تتسيد مونديالات كرة القدم، بلغت مكانتها، بعدما اجتازت مخاضًا صعبًا وداميًا ضحّت خلاله بعشرات الملايين من فلذات أكبادها، قبل أن تُجيب عن سؤال الهوية، وقبل أن تتبنَّى منهجًا علميًا وضعها قبل العالم، فوق كل منصات التتويج. وأمام العرب فرصة نادرة لعبور الجسر بين الموهبة والاجتهاد، دون حاجة لإراقة المزيد من الدم، أو لإهدار المزيد من الفرص، أو لإضاعة المزيد من الوقت.