Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

لماذا يبقى الحديث عن المأزق العالمي مشروعاً؟ (١)

A A
هل التشاؤم، بهذا الشكل، حول مصير الإنسانية مشروع؟ جاءني السؤال من صديق بعد نشر المقالين السابقين عن ضياع البوصلة الإنسانية والفوضى المتوقعة في هذا العالم.

ولأن التعامل مع مثل هذه المسائل لايتم من مدخل المشاعر، (تشاؤماً) من قبل البعض و(تفاؤلاً) من قبل البعض الآخر، فإن الحقائق الموثقة ومعها الأرقام والوقائع، تبقى سبيل المعرفة أولاً وأخيراً.

منذ عامين، مثلاً، وخلال مؤتمرٍ محلي لقادة قوات الدفاع السويدية انعقد في شهر يناير/كانون الثاني سنة ٢٠١٦م، وزّع رئيس أركان الجيش السويدي، الجنرال أنديرس برانستروم، وثيقة يتوقع فيها اندلاع الحرب العالمية الثالثة «خلال بضع سنوات»، كما ورد في الوثيقة. لم تخض السويد حرباً منذ أكثر من مائتي عام. رغم هذا، يردُّ الكلام في الوثيقة الاستنتاجَ المذكور إلى ما يسميه الجنرال: «الوضع العالمي الذي نعيشه». ثم يضيف قائلاً فيها: «ما كُنّا نُسميه بالجدول الزمني الإستراتيجي.. ينسجم حالياً مع [معطيات] كتب التاريخ».

لم يقتصر الأمر على رئيس الأركان، فتعقيباً على التصريح المذكور، قال آلان ويدمان، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان السويدي: «تقديري أن الوضع الآن جديٌ جداً بحيث ينبغي حتى على السويد، مع أكثر من مائتي عام من السلام، أن تتهيأ ذهنياً لصراعات عسكرية في منطقتنا ولصراعات أخرى».

بناءً على ذلك، تَقررَ تغيير الإستراتيجية العسكرية السويدية بحيث تركز الآن على «امتلاك مقدّرات تمكنّها من التصرف في معارك مُسلّحة ضد عدوٍ قوي». كما أدى هذا لإعادة الحديث في الأوساط السويدية عن ضرورة الانضمام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأمر الذي جُوبه برد فعلٍ سلبي قوي من طرف روسيا، ليس فقط نظرياً، وإنما من خلال عمليات مسحٍ مكثفة في المياه الإقليمية السويدية، عبر غواصات التجسس وطائرات الاستطلاع.

لماذا تتوقع السويد، وهي في أقصى الأرض، قيام حرب عالمية ثالثة خلال بضعة أعوام قادمة، إلى درجة تغيير عقيدتها العسكرية والتحضير عملياً لذلك الاحتمال؟.

لايتعامل القادة الإستراتيجيون مع مثل هذه القضايا بسبب مشاعر تشاؤمٍ قد تصيبهم مع كثرة الأخبار السلبية من حولهم في هذا العالم. قد يكون هذا مدخلَ فهم العالم لدى شرائح من المجتمعات العربية والإسلامية. والأسوأ أن يكون مدخل صناعة القرار في بعض تلك المجتمعات. لكن هذا لاينطبق على دول العالم التي يبقى فيها دائماً من يقرأ دروس التاريخ، ويستخلص قوانين الاجتماع البشري، ويقوم بالحسابات وصناعة السياسات، بناءً عليها. بشيءٍ من القراءة لتلك الدروس والقوانين، نشرت «المدينة» الغراء في هذه الصفحة مادةً لكاتب هذا المقال بعنوان «في واقعية الحديث عن حربٍ عالميةٍ ثالثة»، قبل صدور التقرير السويدي ببضعة شهور.

نُدرك، جميعاً، مع تتالي الأحداث والوقائع المعاصرة، أننا نعيش زمناً تتزايد فيه (خفة الوزن) عند كثيرٍ من القيادات السياسية في هذا العالم. وقد يكون هذا، بحدّ ذاته، سبباً من أسباب الأزمات والمآزق التي تعيشها البشرية اليوم. لكن من يرصدون المتغيرات الإستراتيجية موجودون بشكلٍ وآخر في مواقع القيادة.

على سبيل المثال، نقلت شبكة CNN، منذ أسبوع، للمدير العام للأمن القومي الأمريكي، دان كوتس، تصريحاً قال فيه: «في الشهر الذي سبقَ أحداث سبتمبر من عام ٢٠١١ صرّحَ مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA حينها، جورج تينيت، أن كل أجهزة إنذار النظام تومضُ باللون الأحمر. ها نحن اليوم بعد قرابة عقدين، وهاأنذا هنا لأقول: إن كل أجهزة إنذار النظام تومض باللون الأحمر»! ينبغي التوضيح هنا أن الرجل ليس مستشارَ الأمن القومي الأمريكي، وإنما هو المسؤول عن إدارة ١٧ جهازاً مختلفاً تمثل كل الأجهزة الأمنية الأمريكية.

في المقالين السابقين عن الفوضى العالمية وضياع البوصلة الإنسانية وقائع وأحداث وحقائق تجري في هذا العالم، نقول مرةً أخرى أنها تناقض قوانين الاجتماع البشري المتعلقة بالأمن والاستقرار في العالم، والتي أشار إليها رئيس الأركان السويدي ضمنياً عند حديثه عن «كتب التاريخ».

قد يقول قائل: مرَّ عامان على النبوءة السويدية ولم يحدث شيءٌ. حسناً. لقد استخدم الجنرال المذكور عبارة «بضعة أعوام»، وفي اللغة العربية أن البضع هو «بين الثلاث والتسع في العدد». لاداعي للاستعجال في انتظار انفجارٍ عالميٍ قادمٍ ممكن، لكن السويد نفسها تُعيد تحضيرنا ذهنياً لهذا الاحتمال من جديد. فمنذ شهرين، نقلت شبكة BBC البريطانية أن الحكومة السويدية أرسلت منشورات تفصيلية لقرابة خمسة ملايين منزل في السويد، تشرح فيها كيفية التحضير للتعامل مع كوارث كبرى متنوعة، من بينها إمكانية قيام حربٍ عالمية ثالثة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store