من المواقف المحرجة التي تمرعلى الإنسان أن يعطي موافقةً لطلبٍ ما دون معرفته بالطلب، وهذه المواقف تكون عادة مفاجئة وغير متوقعة، لذلك تكون ردة فعلها دائماً عشوائية، ونتيجتها كارثية، خاصة لو تعلق الأمر بشخص تربطك به علاقة قوية، لذا يجب التفكير والتروي ملياً.

تذكرت ذلك وأنا أرتب أوراقي الخاصة. وجدت من بينها خطاباً تخليت بموجبه عن شقة سكنية أُعطيتْ لي من جامعة الملك عبدالعزيز بعد انتظار لسنوات بسبب القائمة الطويلة لراغبي السكن في تلك الأيام. ولأسباب كثيرة، أهمها وجود الوالدين في مكة المكرمة في ذلك الوقت، كان من نتيجته أن ظلت الشقة شاغرة بالرغم من التكاليف التي صرفتها على إعادة تأهيلها. ولهذه الوثيقة قصة وجدت أنْ لا ضير من رفع السرية عنها خاصة وأنه مضى عليها أكثر من ربع قرن. في أحد الأيام زارني في مكتبي بالقسم زميل عزيز تربطني به صداقة من جامعة أم القرى طالباً مني التنازل عن شقتي السكنية بالجامعة لأخيه الذي يعمل وقتها عضو هيئة تدريس بجامعة الملك عبدالعزيز، لعلمه أنني لم أستفد منها منذ أن تسلمتها، -(وكان التنازل عن السكن يُعملُ به وقتها بين الزملاء)- ذكرت له أنني أفكر جدياً في الاستفادة منها من أجل ذلك لا أستطيع التنازل عنها، قال: ما دام الأمر كذلك فأنت أولى وتقبل مني ذلك مشكوراً. بعدها بأيام زارني في مكتبي بالقسم أخ عزيز، إنه الزميل الدكتور عبدالله بن حمود الحربي عضو مجلس الشورى حالياً وزميلي بقسم الإحصاء بجامعة الملك عبد العزيز سابقاً وكان بصحبته أحد الزملاء من نفس القسم. وبعد السلام وجَّه الدكتور الحربي كلامه لي قائلاً: أبو مشرف قول تم. كان السؤال مفاجئاً ووجدت حينها أن ما يربطني به من ود يجعلني لا أتردد من أن أقول تم، قال: زميلنا في حاجة ماسة لسكن وطلب مني الشفاعة لتتنازل له عن شقتك، فما كان مني إلا أن أعطيته خطاب تنازل لتقديمه لإدارة الإسكان، -وكان علي أن أذكر له أن زميلاً آخر قدم نفس الطلب واعتذرت له وكلي ثقة أنه سيتقبل ذلك بكل أريحية ويتراجع عن طلبه لمعرفتي بأخلاقه-،المهم بعدها بأيام وإذا بصاحبنا الذي طلب مني قبل ذلك أن أتنازل عن الشقة لأخيه يزورني في المكتب وهو في حالة غضبٍ شديدةٍ لأني اعتذرت له وقبلت شفاعة غيره على الرغم من الصداقة التي بيننا، حاولت أن أبرر موقفي إلا أنه لم يقبل ما قدمت له من تبريرات والتي منها عنصر المفاجأة في الطلب من زملائي في القسم وللأسف انتهت العلاقة بيننا.

درس قاسٍ لا زال في الذاكرة، وعندها تذكرت بيت شعر جميلاً لدعبل الخزاعي قاله عام 246 هجرية، قال:

تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحباً لعل له عذراً وأنت تلوم.