Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
واسيني الأعرج

الخوف من الحاضر والآتي؟

يكفي أن نضع الخارطة أمام أعيننا لندرك أن الحالة تكاد تكون معممة ومعقدة، فهناك تشابه عربي في التعامل مع المسألة الثقافية.. يتبدى ذلك أولاً في الوضع التعليمي.. الأمية تشكل متوسطًا يحاذي الستين بالمائة.. والنسبة مرشحة للتزايد في ظل الأوضاع العربية المعقدة بسبب الانهيارات المتتالية والحروب.. كل ما هو متوفر اليوم هو جهاز لصناعة التخلف والبلاغة الفارغة، لهذا يحتاج العالم العربي إلى هزة عنيفة تجعله يدرك المخاطر المحيطة به..

A A
هناك خوف عربي حقيقي من الحاضر والآتي.. الاثنان لا يمنحان إلا الاحتمالات الأكثر سوادًا.. وخوفًا في ظل أوضاع عربية لا تدفع إلا إلى المزيد من اليأس. كثيرًا ما يضحكني بعض الأصدقاء وهم يتحدثون عن بلدانهم بوصفها استثناء اقتصاديًا وثقافيًا؟ السبب بسيط. لا يوجد استثناء خارج الركائز الثلاثة: التنمية، العدالة الاجتماعية، استقلالية القضاء.. أين نحن من هذا كله؟ الاستثناء ما يزال مؤجلاً في بلداننا.. هو، إضافة إلى ما ذكرته من محددات، التمايز والخروج عن العام، داخل منظومات جديدة.. العالم العربي يتشابه كليًا في إخفاقاته المتتالية.. وفي مشاريعه اللاديمقراطية..

وإذا ذهبنا نحو الاستثناء الثقافي، سنجد الوضعيات نفسها.. نفس العقل في التعامل مع الثقافة بوصفها شيئًا ضافيًا لا قيمة له سوى رفع عتب بأن في ذلك البلد أو ذاك شيئًا اسمه الثقافة كما في كل العالم، بينما تشكل الثقافة في لا وعي المسؤول والمؤسسة السياسية، أكبر الأعداء الذين تجب محاربتهم.. طبعًا جاء الوقت حيث على العقول العربية أن تتغير جذريًا في علاقتها بالثقافة.. فلا بلاد بلا ثقافة.. ولا ثقافة بلا خيارات استراتيجية تتحملها الدولة.. لأن الفعل الثقافي مهم في تكوين المجتمع وتنمية أجزائه.. هي اللحمة التي تسد كل الفجوات التي تدخل منها مخاطر التفرقة والتدمير الطائفي والعرقي.. الثقافة هي التي توحد المجتمع وتغنيه.. الاستثناء في هذا السياق معناه الخروج عن القاعدة العامة وإعطاء الثقافة بعدها الحقيقي.. وأي استثناء في مجتمعات لا تعنيها الثقافة إلا كعدو.. تكاد كل الدول العربية أن تتساوى في هذا.. هذه الوضعية في الحقيقة تبين إلى حد كبير حالة التخلف التي يعاني منها العالم العربي بقوة..

يكفي أن نضع الخارطة أمام أعيننا لندرك أن الحالة تكاد تكون معممة ومعقدة، فهناك تشابه عربي في التعامل مع المسألة الثقافية.. يتبدى ذلك أولاً في الوضع التعليمي.. الأمية تشكل متوسطًا يحاذي الستين بالمائة.. والنسبة مرشحة للتزايد في ظل الأوضاع العربية المعقدة بسبب الانهيارات المتتالية والحروب.. كل ما هو متوفر اليوم هو جهاز لصناعة التخلف والبلاغة الفارغة، لهذا يحتاج العالم العربي إلى هزة عنيفة تجعله يدرك المخاطر المحيطة به..

ففي الوقت الذي تخصص فيه الأموال الطائلة للرياضة التي لم نفلح عالميًا في أي جانب من جوانبها، تعاني الثقافة في العالم العربي من نسبة الصفر فاصلة من الميزانيات السنوية.. مفارقة خطيرة.. ما يخصص للرياضة مثلا يكاد يكون مرعبًا.. يفترض أن يجعل بلداننا تحتل المراتب الأولى.. مع أن الرياضة هي أكبر مساحة لخساراتنا المتكررة في كل الأنواع.. ماذا حققنا في الرياضة محليًا وعالميًا؟ لا شيء يذكر.. الأموال المسخرة في الدول الفقيرة والغنية على حد سواء تكاد لا تحصى مع نتائج مخجلة.. ففي الوقت الذي تخصص فيه يوميًا ملفات وملاحق ثقافية ومواقع انترنت وحصص تلفزيونية ومجلات ملونة، لا تحصل الثقافة بمعناها الإبداعي والفكري والفني على شيء.. مع أن للرياضة الحق في الاهتمام المعقول والوجود في الاهتمام وتشييد البنية التحتية وللثقافة أيضًا الحق في الوجود والنمو والتطور.

كم بنينا من مسرح؟ أوبرا؟ دار للثقافة؟ صالات عرض ومعارض فنية؟ تقريبًا صفر.. مع أن الثقافة الفنية هي من يصنع التوازن الفردي والجمعي ويوجهه نحو ما يخدم بلاده وإنسانيته أيضًا.. بلداننا العربية تصنع في النهاية قصبًا لماعًا في خارجه وفارغًا من الداخل.. ونفاجأ في النهاية كيف يتم تجنيد هذا الشاب أو ذاك نحو الإرهاب أو العنف في ظل غياب الثقافة الإبداعية من أدب وغيرها قبل تحويله إلى قنبلة موقوتة ضد نفسه أولاً وضد أهله وأرضه وضد إنسانيته.. الحائط الأوحد الذي يجعل ذلك مستحيلاً هو الاستثناء الثقافي الذي يجعل من العناصر الثقافية المحلية والعالمية وسيلته للانتقال من مجتمع الخوف والهزيمة، إلى مجتمع الإنسان.. ربما كان في هذا الحديث بعض المرارة لكنها وليدة رغبة محمومة هدفها في النهاية الإسهام في التنوير والخروج من دائرة الموت المبرمج.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store