Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

لماذا يبقى الحديث عن المأزق العالمي مشروعاً ؟ (٢)

A A
في شهر مارس/آذار الفائت، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» ينس ستولتنبرغ في مقابلة مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الألمانية إنه يجب على الحلف تحسين قدراته واستعداداته الدفاعية للتحرك في أعقاب تصرفات روسيا العدائية.

حصل هذا في سياق الجدل الذي تلى اتهام لندن لموسكو بتسميم العميل الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته في إنكلترا، وقيام الأخيرة بطرد ٢٣ دبلوماسياً روسياً من أراضيها. وحسب وكالة «رويترز»، اتهم ستولتنبرغ روسيا بمحاولة زعزعة استقرار الغرب بالأسلحة النووية الجديدة والهجمات الإلكترونية والعمل السري»، ثم أضاف قائلاً: «بوسعنا دائماً أن نفعل المزيد وعلينا التفكير ملياً في ذلك الآن..».

لا تنفجر الأزمات العالمية بقرارٍ إراديٍ مباشر من طرفٍ معين في النظام الدولي، أياً كانت قوته. وإنما تكمن القضية في فقدان السيطرة على ردود أفعال الأطراف المختلفة، وسوء الحسابات، في معرض الصراع المستمر على النفوذ الدولي والمصالح الاقتصادية.

لهذا، تساعدنا الجملة التالية، في تصريح قائد حلف شمال الأطلسي، على فهم الظاهرة: «روسيا بدأت تصبح غير متوقعة على نحو متزايد وأكثر عدوانية»، يقول السياسي العتيق، الذي كان رئيس وزراء النرويج وأحد ساستها المخضرمين. فإذ يبدو واضحاً من التصريح أن صاحبه يُدرك تماماً حقيقة وجود الصراع الدولي، خاصةً في ساحتي السياسة والاقتصاد، إلا أن كلمات السر في الموضوع هي «غير متوقعة» و»أكثر عدوانية». بمعنى أن ثمة اتفاقاً، غير مُعلنٍ طبعاً، على أن وجود الصراع المذكور طبيعيٌ في النظام العالمي الراهن، لكن حركة مختلف الأطراف داخل دائرته يجب أن تبقى في إطار التوقعات المتبادلة التي لاينبغي تجاوزها، فضلاً عن أن مستوى «العدوانية» يجب أن يكون محسوباً بحيث لا يتعدى درجةً معينة.

لماذا الحديث في ملامح الأزمة العالمية أصلاً؟ ما الذي ينفعنا، عرباً ومسلمين، من إدراك حقيقة وجودها وفهم طبيعتها؟ الأسباب عديدة. منها، في أقل الأحوال، أن تأثيرها يمتدُّ ليشكل جزءاً من حاضرنا ومستقبلنا، وربما الجزء الأكثر حساسيةً فيه.

في التقرير الذي صدر العام الماضي عن حال العالم، والذي عملت عليه «إدارة الاستخبارات الوطنية» الأميركية، التي تنسق العمل بين 17وكالة أمريكية تعمل في مجال الاستخبارات، تردُ العبارة التالية: «ستكون الفوضى السياسية معلمَ السنوات الخمس القادمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك مع تزايد مطالب الجماهير من النخب الراسخة. وسيكون مرجحاً استمرار الحروب الأهلية والحروب بالوكالة في عدد من الدول الفاشلة. ستكون الصراعات بين القوى الدينية والسياسية مرجحةً أيضاً بما سيضعف المؤسسات القائمة. والأرجح أن تتضمن تلك الصراعات تنافساً أمنياً بين إيران والسعودية وتركيا وإسرائيل وربما مصر، ويمكن أن تلعب فيها دوراً كلٌ من الصين وروسيا وأميركا».

والحقيقة أن الفقرة المتعلقة بـ «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تتصف بدرجةٍ كبيرة من السوداوية والتشاؤم، تشمل طيفاً واسعاً من التوقعات الكئيبة. ويبدو أن الأحداث التي عاشها العالم العربي، مثلاً، على مدى أكثر من سنةٍ مضت على إصدار التقرير، تُظهر واقعية تنبؤاته بشكلٍ واضح.

في هذا الإطار، ندرك أن بعض مكونات الأزمة العالمية يتعلق بعنوان الإرهاب، المربوط حُكماً بعربٍ ومسلمين على الدوام. بهذا، يبدو جلياً أن الأزمة تتعلق بنا في هذا المساق، ومن مدخلين على الأقل. فمن ناحية، ثمة مسائل ذاتية عالقة تتعلق بثقافة ذلك العنوان وخلفياته وأسبابه، تحتاج لترتيبٍ داخل البيت الداخلي العربي والإسلامي.

ومن ناحية ثانية، تأتي ممارسات التوظيف السياسي للعنوان المذكور على مستوى النظام الدولي، بكل ما تتضمنه من تلاعبٍ ونفاق وازدواجيةٍ في المقاييس والمعايير، لتشكل عبئاً إضافياً يجب التعامل معه بصراحةٍ وشفافية.

الحاجة مطلوبةٌ، إذاً، للخروج من عقلية الثنائيات. فالحديث عن نصيب ثقافتنا من المشكلة لايعني، بالضرورة، جلدَ الذات والخضوع لتفسيرٍ يُقدمه الآخرون للظاهرة. والحديث عن نصيب النظام الدولي من المشكلة لايعني تبريراً للظاهرة وهروباً من مواجهة الذات.

«نظامٌ عالمي في طور التفكك: آفاق العام 2017». كان هذا أيضاً عنوان مؤتمرٍ أقامه مركز كارنيجي للدراسات في بيروت العام الماضي. ووقائع العالم خلال السنة الماضية تؤكد هذه المقولة.

هذا العالم في مأزقٍ إذاً على أكثر من صعيد، ونحن في صُلب هذا المأزق.

في إحدى رسائله الخاصة، يقول ونستون تشرشل: «أعتقد أن لعنةً يجب أن تُصيبني، لأنني في حالة حبٍ مع الحرب. أنا أعلمُ أنها تمزق حياة الآلاف كل دقيقة. رغم هذا، لا أستطيع التعامل مع حقيقة أنني أستمتعُ بكل ثانيةٍ فيها!». إذا كان هذا ما قاله سياسيٌ، يُعتبر عاقلاً جداً، نسبةً لكثيرٍ من قادة العالم المؤثرين في مصيره اليوم، فلنا أن نتوقع المشكلات، وأن يبقى الحديثُ عنها مشروعاً.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store