اللجنة الدائمة جهاز علمي شرعي منبثق عن هيئة كبار العلماء، التي قصر ولي الأمر الفتوى العامة عليها، وذلك في التوجيه الملكي الذي صدر عن المقام السامي في رمضان المنصرم. وقد وجه إليها أحد المواطنين سؤالًا عن حكم تشغيل المرأة في وظيفة بائعة في مكان مختلط، فكانت فتواها بتحريم هذا العمل وتحريم إتاحته. ووفق النظام والتوجيه الملكي فقد مارست اللجنة اختصاصها المناط بها سواء أوافقناها في هذه الفتوى أم خالفناها. لكن الذي ليس على وفقهما هو تعدي الكتاب بالهجوم على هذه الفتوى بمقالات تنشر على العموم تحت ذريعة حرية التعبير، مع أن ما يقولون به في تلك الهجومات هو في الحقيقة فتاوى مخالفة لما أدلت به الهيئة لأنه لا معنى للفتوى سوى الحكم على أفعال العباد بأحد الأحكام الخمسة المعروفة عند الفقهاء وهذا ما فعله العديد من الكتاب حيث حكموا بإباحة ما أفتت اللجنة بتحريمه. والأحكام الخمسة عندما يصف الفقيه بها فعلًا من أفعال العباد لا بد أن يكون بين يديه نص خاص أو نص عام، ولا بد أيضًا لتنزيل النص العام على الوقائع الخاصة من وجود ما يقتضي هذا التنزيل من دلالة النص عليها دلالة مطابقة أو اقتران أو التزام أو من المناسبة القريبة أو البعيدة بين النص العام والواقعة. وعند البحث في عمل المرأة في مجامع الرجال ربما تختلف الأنظار في مقدار دلالة النصوص العامة عليه، وأكثر العلماء وطلبة العلم الشرعي عندنا يسوقون نصوصًا كثيرة تدل على أن العمل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التمييز بين الرجال والنساء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة (1 /359) وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء. أما أدلة الشريعة العامة والتي تدل دلالة قطعية على تحريم كل ما يؤدي في الغالب إلى المفسدة فإن حظ العلماء منها في استدلالهم على ما ذهبوا إليه في فتواهم هو الحظ الأوفر وذلك من طريقين: الأول لا خلاف عليه بين من يوافق اللجنة الدائمة ومن يخالفها وهو تضافر نصوص الشريعة على تحريم ما ثبت غلبة ضرره على نفعه، أما الطريق الأخرى فهي محل الخلاف بين الفريقين وأعني بها كون عمل المرأة في تلك الظروف يغلب ضرره على نفعه، فالذين يخالفونهم يقولون بعكس قولهم ويرون أن المصلحة في العمل أعظم أما المفسدة فإنها قليلة فيه بالنسبة لما في العمل في هذه الظروف من المصالح. وهنا ينبغي أن يكون الحكم للبحث الميداني لا للانطباعات الشخصية فدلالة البحث الميداني في مثل هذا الأمر هي ما ينبغي أن يكون معول الفقيه عليه ومرجعه إليه. والبحوث الميدانية تشهد بشدة الضرر الحاصل من مثل هذا العمل في مثل تلك الأجواء، وسوف أقتصر على بحث السيدة وائلة عبدالكريم والذي نشرت صحيفة المدينة ملخصه قبل زمن يسير، وهو بحث علمي محكم توصلت الباحثة فيه إلى أن 21 في المائة من الموظفات السعوديات في الأماكن المختلطة يتعرضن للتحرش الجنسي من قبل رؤسائهن في العمل و35 في المائة من هؤلاء الموظفات يتعرضن للتحرش من قبل زملائهن في العمل وقد وصل التحرش كما تذكر الباحثة إلى طلب المواعدات الخارجية وأكثر من ذلك. أما المسح الذي أجرته وكالة رويترز والذي قرر أن الموظفات السعوديات يقعن في المرتبة الثالثة من بين النساء في العالم اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي فهو أكثر من مؤلم. وقد ذكر البعض أن علاج مثل هذه المشكلة لا يمكن أن يكون بمنع العمل المختلط الذي تدعو إليه الحاجة بل بسن قوانين صارمة تمنع التحرش الجنسي. وسن مثل هذه القوانين لن يختلف عليه أحد لو كان التحرش هو المشكلة الوحيدة من العمل المختلط، حيث إن هناك مشكلات أخطر تفيدنا إياها التجارب العربية والإسلامية بل والدولية للعمل المختلط أدت إلى تعالي أصوات غربية في بلادها لمنع الاختلاط بجميع أشكاله سواء أكان في العمل أم الدراسة، وقد ترجم مؤخرًا كتاب عن تراجع الغرب عن التعليم المختلط أما العمل المختلط فيكفي لتعرف مقدار ما ألحقه بأوروبا من الضرر أن تقرأ كتاب “يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة” من تأليف عدد من الباحثين الأمريكيين ومن ترجمة الدكتور محمد بن سعود البشر وكذلك كتاب لعنة 1920 للناشط الأمريكي غاري دينر وأيضًا كتاب عمل المرأة في الميزان للدكتور محمد علي البار وكتاب الدكتور عدنان باحارث عن عمل المرأة. وبذلك نعلم أن الضرر عظيم من التحاق المرأة بالعمل في هذه الأجواء لكن ما المصالح من عملها هناك فقد تكون أكبر من المفاسد؟ وهذا محل حديثي في مقالي القادم إن شاء الله.