لا يَسألُ العنوان عن معنىً رومانسيٍ للعروبة كان شائعاً في يومٍ من الأيام..
ماتت العروبة في نظر الكثيرين من العرب، وبكل معانيها.
ما من شكٍ في أن أحدَ تلك المعاني مضى إلى غير رجعة.. لا نصيبَ بعد اليوم، مثلاً، لحلمٍ بوطنٍ عربيٍ واحد، من المحيط إلى الخليج.
بشيءٍ من الواقعية السياسية، كان الحلمُ المذكور مقاربةً مثاليةً تتناقض مع تطورات التاريخ العربي ومآلات الجغرافيا- السياسية فيه، لكن التضارب الأكبر بين التفكير به وتحقيقه كان متجذراً في الثقافة العربية ذاتها، وبكل ما رسخَ في مكوناتها وخلفياتها الدينية والاجتماعية والفكرية من تشوهات.. كيف يمكن أصلاً الحديث في هكذا حلم، بينما تُعشعش العنصرية والتمييز والمناطقية، وكل الهويات والانتماءات ما قبل الوطنية داخل معظم المجتمعات العربية نفسها.. وإذ نعيش اليوم واقعاً عربياً بتنا نخشى فيه على وحدة نصف البلاد العربية، إن لم يكن أكثر.. وهذا واقعٌ أوصَلَتنا إليه تلك الثقافة نفسُها، فكيف يمكن أن تخطر في بال إنسانٍ عربي فكرةُ وجود وطنٍ عربيٍ واحدٍ كبير؟
المفارقة الأغرب أنَّ الأنظمة (العروبية) عينَها، بكل شعاراتها الطنانة من جهة، وممارساتها المناقضة حصراً للشعارات تلك، هي التي ساهمت وبقوة في قتل إمكانية حتى أن يبقى ذلك الحلمُ حلماً.. لا حاجة للتفصيل في الحقيقة المذكورة، ببساطة فالعرب جميعاً عاشوا تجلياتها بكل ما فيها من مرارات.. لهذا كان الأمر حلماً، وبقي كذلك.
ولكن، ماذا عن عروبةٍ يمكن أن تكون مدخلاً لمجردِ أن يبقى للعرب وجودٌ في هذا العالم العاصف؟
لم يعد سراً أن العرب، ككتلةٍ بشرية، يعيشون زمن (الانكشاف) الكبير، و(الاستفراد) الكبير، و(التهميش) الكبير.. أكثر من ٤٠٠ مليون إنسان، يُفترض أن لديهم عناصر تناغمٍ وانسجام وتكامل في تاريخهم وهويتهم ولغتهم واقتصادهم واجتماعهم البشري وموقعهم الجغرافي.. ورغم هذا، يبقون مكشوفين على أخطر سيناريوهات مصيرية ووجودية لا يتوقعها بلدٌ صغير في أغلبية بقع الكرة الأرضية.
لم يعد خافياً على عربي أن دول المنطقة تشهد عملية (استفراد) لم تشهد لها مثيلاً من قبل، وربما في تاريخ البشرية بهذا الشكل.
إنه زمن (السوابق) المفروضة على الواقع العربي، ومن خلالها، تجري صياغة قوانين هذا الواقع ومعادلاتُهُ الجديدة، سابقةً في إثر سابقة.
هذا هو نصيب المنطقة من النظام العالمي الجديد الذي يحاول البعض تحديد ملامحه حيثما أمكن ذلك، تحدثُ السابقة الأولى، وما بين سندان الانكشاف ومطرقة الاستفراد ينحصر رد الفعل العربي في (الاستنكار) و(الشجب) النظري، ثم تحدث السابقةُ الثانية، فتقلُّ حتى أصوات الاستنكار، ومع السابقة الثالثة، ينقلب الأمر واقعاً يجب التعايش معه، ثم لا تلبث السوابق أن تصبح بعد ذلك قوانينَ معتادة لا يُجادل في سلطانها أحد..
هكذا يدخل العالم العربي حلقةً سوداءَ مُفرَغة لا نهاية لها، من انكشافٍ يفتح الباب لمزيد من الاستفراد، واستفرادٍ يسمح بمزيدٍ من التهميش، وتهميشٍ يسمح بتمرير مزيدٍ من السوابق، وسوابق تؤدي إلى انكشافٍ لا تبدو له حدود!
وفي جوٍ عربي مليء بالحسابات الخاطئة، ومُفعمٍ، في غالب أجزائه، بالغرق في لعبة الحفاظ على الكراسي الموسيقية أو القفز إليها، يتوهم البعض أن للعبة الاستفراد نطاقاً لا تتجاوزه، ويظن أنه خارج ذلك النطاق، فيغمض عينيه عما يجري في أحسن الأحوال، أما في أسوأها، فإنه يساهم في ترسيخ ظروف الانكشاف وعوامل الاستفراد من خلال اللعب على وتر المبادرات والسوابق بنفسه.
يجهل هؤلاء، أو يتجاهلون، أن تلك المعادلة صارت القانون الأساسي للتغيير الكبير القادم في المنطقة.. يَغفلون أن في كل بيت عربي أكثر من (مسمار جُحا).. وأن هذه المسامير لم تُترك معلّقةً حتى الآن لسواد عيون أهل البيت.. وأن جحا سيعود ليرتب البيت وفق حاجات مسماره! عاجلاً أو آجلاً، حين يأتي الأوان.
لا داعي عند جحا للعجلة في واقعٍ يُعاند حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة، لا داعي عنده لتشتيت جهده وإمكاناته في مشهدٍ فَقدَ ملامح التنسيق وإمكانات المبادرة، لا ضير في نظره من الصبر والتدرّج، في منزلٍ فُتحت أبوابُه ونوافذه للرياح من كل مكان.
يجهل هؤلاء أيضًا، أو يتجاهلون، أن الاتفاق الممكن الوحيد في لعبة توازن القوى العالمية الراهنة بات يتمثل في الاتفاق على المنطقة.. ورغم التنافس الشرس الذي يجري على كثير من القضايا الحساسة في العالم، يظهر واضحاً ادراكُ اللاعبين المؤثرين أن كعكة العالم العربي هي الكعكة الوحيدة التي يمكن استباحتُها دون كثير عناء.
لهذا انفضّ عن العرب شيئاً فشيئاً مَن كانوا تاريخياً في صفّهم، ومن هنا سينصرف عنهم فريقٌ آخر، ويزهد فيهم فريقٌ ثالث، حتى تكتمل حلقات الانكشاف المريعة.
مَنْ في هذا العالم المتوحّش سياسياً يريد أن يدفع أي ثمن ليقف إلى جانب قضيةٍ يُعلنُ أصحابها أنها خاسرةٌ بلسان الحال ولسان المقال؟


