Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

في التيه العربي الكبير.. هل ماتت (العروبة)؟ (٤)

A A
لن يكون تطوير العمل العربي المشترك ممكناً في معزلٍ عن إدراك النظام السياسي العربي بأن ذلك التطوير يصبّ بقوةٍ في مصلحة كل قطرٍ عربي على مستوى الشعوب والدول.. يبقى هذا صحيحاً رغم كل ضباب الرؤية الذي يوحي بعكس ذلك.

لكن الأمر يحتاج إلى ثقافةٍ سياسية عربيةٍ مُبتكرة، جديدة، مختلفة، وفي غاية المرونة، لها عناصر أساسية، منها في الأقل: أولاً، الانفكاك من الهوس القاتل بالتكتيك الآني، والانتقال إلى استصحاب (الاستراتيجيا) طويلة الأمد. ثانياً، الانتباه إلى طبيعة التغييرات الكبرى التي تبدو قادمةً، في العالم بشكلٍ عام، وفي مراكز صناعة القرار حصراً. من المزالق في هذا المقام الغفلةُ عن سرعة التغيير الذي توحي به كل المؤشرات، وعن طبيعته الجذرية التي تجعله يبدو انقلاباً كاملاً على كل ما كان سائداً في ساحة السياسة في تلك المراكز بالتحديد.

نحن في عالمٍ يتغير بسرعة، و(ردود أفعال) الجديد على (أفعال) القديم، فيه، قويةٌ وعنيفةٌ وشاملة، بعكس ما كان عليه الأمر إلى ما قبل عقدٍ من الزمان.

لنضرب مثلاً واحداً من أمريكا.. نحن أمام احتمالٍ يتجاوز الخمسين بالمائة، في أقل الأحوال، بتغييرٍ كبير فيما يتعلق بموازين القوى السياسية، من الطبيعي أن ينتج عنه تغييرٌ في السياسات الداخلية والخارجية. ليس ثمة ترفٌ في الوقت يسمح بالتمهل في الاستعداد لهذا التغيير. لأن المتوقع أن يحدث هذا بعد شهرٍ واحد من نشر هذه الكلمات بالتمام والكمال.. فحسب كل القراءات واستطلاعات الرأي والتحليلات، من المرجح جداً أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس بمجلسيه مع انتخابات نوفمبر النصفية. أما النتائج المباشرة والعملية لذلك الانقلاب فلنكن على ثقةٍ بأنها ستبدأ مع الدقيقة الأولى من الساعة ١٢، ظهر يوم ٣ يناير القادم، عندما تبدأ دورة انعقاد الكونغرس الجديد. صحيحٌ أن التغيير سيظهر أولاً في السياسات الداخلية، لكن الترابط بينها وبين تلك الخارجية موجودٌ بشكل مُعقّد. هذا فضلاً عن أن تغيير السياسات الخارجية يكون، عادةً، أكثر سهولةً في بلدٍ مثل أمريكا، وذلك من باب قلّة اهتمام المواطن الأمريكي بها ومتابعته لها من جانب، ومن باب صلاحيتها، من جانبٍ آخر، لتكون تعبيراً عن التوجهات السياسية لأيديولوجية الديمقراطيين الذين يريدون قلب كل سياسات الرئيس ترامب الخارجية رأساً على عقب، ويستطيعون عرقلة كل ما قام، أو يريد القيام به، في هذا المجال.

صحيحٌ أيضاً أننا نستخدم نسبة خمسين في المائة كقياسٍ لاحتمالٍ للتغيير، وهو في الحقيقة أكبر. لكن منطق السياسة يفرض على أهلها أخذ مثل هذا الاحتمال الكبير بعين الاعتبار. ففي صُلب ذلك المنطق، لا يوضعُ البيض كله في سلةٍ واحدة، ولا تجري المراهنة على حصانٍ وحيد، والأصل في كل عملية استثمار أن تقوم على التنويع Diversification . أما عندما تشير كل استطلاعات الرأي، بدون استثناء، إلى احتمالاتٍ لاستعادة سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بنسب تتراوح بين ١٠٪ - ١٦٪، فإن تجاهل ما يؤكده المنطق المذكور يصبح أقربَ للانتحار السياسي.

ثمة عنصرٌ ثالث في الثقافة السياسية المطلوبة يتمثل في امتلاك القدرة على إيجاد معادلة مبتكرة وجديدة للموازنة بين المصالح الخاصة والعامة، ولو بشكلٍ نسبي. إذ لابد من إيجاد مثل هذه المعادلة بحيث تضمُّ ما هو معنوي إلى ما هو مادي ورقمي. وبحيث توازن بين ما يحتاجه الكثيرون ويمتلكه القلائل. وبحيث يجد فيها عامة الناس حضوراً لهم لا يشعرون معه باقتصاره (ذلك الحضور) على النخبة.

الأهم من كل ذلك، الإدراكُ بأن الجميع باتوا أمام مفرق طريقٍ حساس. وبأن الواقع يحتاج إلى إرادةٍ سياسيةٍ خلاقة، لن ينتج عن غيابها سوى (ترحيل) المشكلات و(تدويرها) و(تأجيلها)، وبالتالي مفاقمتُها. لن ينفع هنا الاقتصار على إنشاء هياكل ومُسمّيات جديدة، ولن تكون مجديةً أي ممارسات تحاول أن توحي بأن ثمة حركةً في الأفق تَعِدُ بالتغيير.

هذه (سياسة)، لكنها تدخل في خانات التدوير والترحيل والتأجيل لمشكلات العرب. وقد تبدو بديلاً مغرياً الآن، لكنها لن تساهم إلا في تسريع الاحتقان العربي، وزراعة المزيد من بذور فوضى قد تظهر ثمارها بأسرع مما نتوقع، وعلى جميع المستويات.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store