Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

في التيه العربي الكبير.. مسؤولية الجماهير؟ (٥)

A A
هل يمكن تحميلُ السلطةِ السياسية المسؤوليةَ الكاملة على الدوام، وفي كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تحصل في عالم العرب؟

تحضر المرء هنا أفكار سمعَها بعد أن زار أحد الأصدقاء بلداً عربياً للمرة الأولى، ورأى فيه مظاهر سلبية لا تُعدُّ ولا تُحصى يقوم بها عامة الناس في كل مكان.

يومها، بدأ صاحبنا يتساءل: إلى أي درجةٍ يستطيع المرء أن يلقي بكل اللوم على الاستبداد السياسي لتفسير كل هذه السلبية والكسل والفوضى والقذارة وسوء التعامل بين الناس؟ وإلى أي درجة يمكن الادعاء بعدم وجود مجال لحراكٍ اجتماعي وثقافي يستصحبُ خصوصية الظرف وحساسيته، لكنه يحيي الوعي، ويُرشد الناس إلى كيفية تجنب مثل هذه الآفات؟

ولو أن هؤلاء المتورطين بممارسات الإهمال والفوضى والاعتداء على حقوق القريب والبعيد من الناس، لو أنهم ملكوا أمر البلاد وأصبحوا في مواقع الحكم والإدارة، أليس طبيعياً أن ينقلوا عقلية التجاهل لحقوق الآخرين إلى هذه المواقع، فيكون الحال نفس الحال والمآل نفس المآل؟ وهل يتصور المرء أن ينقلب الإنسان من مثل تلك الحالة من اللامبالاة إلى حالة الوعي بحقوق الناس أفراداً وجماعات بقفزةٍ واحدة، فيعمل على إحقاق الحق وإبطال الباطل ونشر العدل بين الناس؟

ثمة أزمةٌ يعاني منها العقل العربي والمسلم، والمفارقة أنها تُعبِّر عن ثقافةٍ سائدةٍ في مجتمعاتنا بشكلٍ عام.. تتمثل هذه الأزمة في قناعةٍ راسخة بأن تغيير الواقع لا يمكن أن يتم إلا من مدخل السياسة.. هذا أمرٌ يجب إعادة النظر فيه.

إن للاستبداد السياسي حدوداً لا يملك تجاوزها بحال، ومواقعَ لا يُمكن أن يصل إليها على الإطلاق.. قد يكون هذا من حكمة الله وعدله، وهو من قوانين الاجتماع البشري نهايةَ المطاف.. فالواقع البشري يتركُ باستمرار منافذَ لحركة الإنسان على هذه الأرض، مهما أوحت الظواهر بغير ذلك.. لكن القدرة على اكتشاف هذه المنافذ، وتغيير الواقع من خلالها، منوطةً بحيوية العقل البشري وتحرره وانطلاقه وسعة آفاقه وقدرته الكبيرة على الإبداع والابتكار.. ومن رحمة الله أنه لم يجعل القدرة تلك منوطةً بالخوارق والمعجزات.

إن الاستفزاز والتحفُّز والحضور الفكري والعقلي والثقافي الذي تتطلبهُ مثل هذه الأحوال للتعامل مع الواقع، وصولاً إلى تغييره، إنما تُمثل قمة الرقي في قصة التجربة البشرية ومسيرتها لإعمار الأرض. والعقلُ المؤهل لهذه الوظيفة إنما هو العقل الواعي المتوازن المنفتح، الذي ينطلق في حركته من كل ماهو أصيل في ثقافته، ومن قراءةٍ واعية لتجارب التاريخ وعطاء التراث من جهة، ولخصوصية الحاضر من جهة ثانية، مستصحباً فقه الأولويات، حاملاً راية الاجتهاد والتجديد، وباذلاً الوسع في نهاية المقام لاستخدام لغة العصر وأدواته وآلياته.

إن الاستبداد السياسي لا يُجبر الناس على التدخين بشراهة وابتذال، ولا التفنن في مخالفة القوانين، ولا رمي القمامة في الشوارع، ولا التظالم بين الناس، أو غير ذلك من الممارسات الاجتماعية السلبية التي نراها في واقعنا.

لا مفر هنا من الإقرار بالآثار السلبية للخيار الحضاري العام الذي تختاره السلطة السياسية، وبقوة آلتها الإعلامية والدعائية في نشر القيم السلبية والتعتيم على القيم الأصيلة.. وإذا كنا نُقِرُّ، أيضاً، بالأثر النفسي السلبي العام الذي يتركهُ الكبتُ والقهر في الشعوب، داعياً إياها للانسحاب تدريجياً من الحياة، والغرق في متاهات الضياع والفوضى واللا مبالاة الكاملة.. إذا كنّا نُقرُّ بكل ذلك، فإننا نرى في هذا الأمر ذاته مدعاةً للتحدي والاستفزاز الحضاري لدى الشرائح الأكثر وعياً ومعاصرةً من العرب. وهو تَحَدٍّ لا يمكن التعامل معه إلا عبر مُتواليةٍ من الإبداع والابتكار لأقنية ووسائل الحركة في المجتمعات لمعالجة الظواهر الشاذة، دون أن تكون تلك الوسائل بالضرورة سياسيةً في عنوانها وطابعها ومفرداتها. فربما تكون بعض الترتيبات العفوية البسيطة أحياناً وسيلة العمل المثلى، والمهم، على الدوام، استصحابُ خصوصية الظرف، ومراعاة شروط الأمن والسلم الاجتماعيين.

لا يكفي أن تُلقي (النخبة) العربية بالمسؤولية على السلطة السياسية دوماً، وتُخلي مسؤوليتها بالسكوت، أو عبر بيانٍ وتصريح في أحسن الأحوال.. وأول ما يمكن لها أن تفعله الآن هو مراجعةُ أولوياتها وأساليبها وطرق تفكيرها وعملها، لاستكشاف ما يمكن لها أن تفعله حقاً عندما يتعلق الأمر بقضية الإصلاح.

لا مهرب من مواجهة هذه الحقيقة.. ولا يمكن أبداً اللجوء إلى الأعذار التقليدية المألوفة.. لأن هذا الخيار المؤسف ينسف كل شعاراتٍ ترفعها النخبة، ويُعتبر سبباً لرفع المشروعية عن وجودها ودورها نهاية المطاف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store