Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

في التيه العربي الكبير.. هل هناك أمل؟ (٦)

A A
نعم.. يبقى الأملُ كبيراً، بقدرِ ما يبدو هذا التيه العربي المعاصر كبيراً.. فرغم كل حديثنا في الأجزاء السابقة عن ملامحه، ورغم الواقع الصعب الذي يراه ويعيشه العرب، لن يكون أسوأ من التيه المذكور سوى أن يقعوا، ونقع جميعاً، في عملية جلد الذات.. هذا آخر شيءٍ نريد لهذه السلسلة من المقالات أن تصل إليه.

لكن الواقعية تقتضي الإحاطة الشاملة بالموضوع.. هذا لكي لا نقع فريسة الأحلام الوردية والتوقعات الكبيرة قصيرة الأجل.. لكي لا نعيش على وقع ردود الأفعال النفسية والعاطفية الناجمة عن طول عملية التغيير وصعوبتها.. لكي لا نقع في قبضة اليأس والإحباط من حجم التحديات الراهنة والقادمة.. لكي لا نتقلب كل يوم، مع اختلاف الوقائع، بين طرفي نقيض، فلا نقذف أنفسنا من أقصى مشاعر الأمل إلى أعلى درجات اليأس.. لكي لا يصبح توقّعُ الإنجازات الكبيرة دافعاً للاستعجال في العمل والقرارات، ولا يكون ظهور التحديات على حقيقتها سبباً للانسحاب والسلبية.. وأهم من هذا كله، لكي نعيش حاضرنا ونبحث عن مستقبلنا بواقعية وفعالية وإيجابية.

فالأمل مطلوبٌ أولاً، وقبل كل شيءٍ آخر.. والأمل موجود لألف سببٍ وعبر ألفِ مدخل.. مطلوبٌ لأنه لا مفرّ، ببساطة، من إبقاء جذوة الأمل مشتعلةً في قلوب الناس.. لأن إطفاء تلك الجذوة يصبح مَفرقاً حساساً، يؤدي لشلل المجتمعات والدول بشكلٍ كامل.

إن إخماد جذوة الأمل لدى أفراد المجتمع هو أخطرُ ما يمكن أن يواجه أي بلدٍ في العالم.. لا يهمّ في هذا المقام أن يحدث هذا عن قصدٍ أو عن غير قصد.. لا ينفعُ في شيءٍ إلقاءُ اللوم على جهةٍ هنا أو مؤسسةٍ هناك.. يكفي فقط أن تموت تلك الشعلة التي تبثُّ الروح في قلوب الناس، وتُطلق الحيوية الكامنة في المجتمع، لتموت معها فرصٌ للتغيير والتطوير كان لا ينبغي أن تفوت، ولتُغلق معها نوافذ وأبواب كانت مفتوحةً لمستقبل واعدٍ جميل.

ماذا يحصل في أي بقعةٍ على الأرض عندما تنطفئ جذوة أمل المجتمعات بحاضرها ومستقبلها؟

يتسربُ اليأس والإحباط إلى الأفراد والجماعات.. تنتشر السلبية القاتلة كالسرطان.. تعمُّ الفردية الكريهة، وتطغى (الأنا) البشعة، ويعودُ الإنسان للانتماء الطفولي إلى قوقعته الصغيرة الشخصية، بعد أن يضمُر انتماؤه الناضج الواعي إلى وطنه الكبير.. وينتكس من هويته الجامعة ليعود هارباً إلى هوياته الأخرى الصغيرة، باحثاً فيها عن ملجأ شعوري وعملي، علَّهُ يضمن من خلالها شيئاً من حاضره ومستقبله.

يصبح كل شيءٍ في حياة المجتمعات صغيراً وتافهاً وهامشياً وسطحياً.. إذ يفقد المجتمع البوصلة المشتركة التي تُرشدهُ لما فيه خيره وعافيته واستقراره ونماؤه.. ويضيعُ فيه أيُّ معنىً للأمور الكبيرة، وللأفكار الكبيرة، وللمشاريع الكبيرة، و.. نعم، للآمال الكبيرة.. لأنها تصبح، كلها بلا مصداقية في غياب الشعور بإمكانية التغيير، وفي غياب الأمل.

لكن أخطر ما ينتج عادةً عن انطفاء جذوة الأمل يتمثل في تشكيلِ واقعٍ مجتمعيٍ، نفسيٍ وعملي، يوفر في طياته عوامل النجاح لكل من يريد زعزعة أمن واستقرار المجتمعات والدول.. ففي حين تكون الشعوب عادةً خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار مع وجود جذوة الأمل، فإن إخمادها عادةً ما يكون المدخل إلى تصدُّع ذلك الجدار، وأحياناً من جذوره وأساساته العميقة.

لهذا، يخطىء من يَنظر من الإعلاميين والكتّاب إلى أسباب الأمن والاستقرار ويراها، ويُنظّرُ لها، بعينٍ واحدة. وإن كانت علوم الاجتماع وصناعة السياسات تُعلّمُ شيئاً ما، فإنها تؤكد على أنه لا يوجد ثمة عاملٌ وحيد يمكن له أن يُوفِّرَ تلك الأسباب، ويضمنَ بقاءها، ويُحفّز ما فيها من فاعلية.

وكما ذكرنا في هذا المقام سابقاً.. يظلُّ مفرق الطريق في النهاية بين إطفاء جذوة الأمل وبين إبقائها مشتعلةً حيةً تدفع الجماهير للمشاركة والعمل والعطاء، يظلُ منوطاً بالممارسات العملية وبطبيعة الواقع الذي يعيشه الناس.

في المجال الاقتصادي حين يشعرون بتحسن ظروفهم الحياتية المعيشية.. وبانتفاء العوامل التي تعود بهم إلى الخلف بدل أن تتقدم بهم إلى الأمام.

في المجال الاجتماعي حين يرون كيف يتطور مفهوم المواطنة، وتتوافر العوامل التي تزيد لحمة المجتمع بكل شرائحه تماسكاً وقوةً.

في المجال السياسي عندما يُبصرون سيادة القانون، وانفتاح آفاق المشاركة، واتساع دوائر الشفافية، وزيادة مساحات الحرية.

في المجال الإداري عندما يُحسّون عملياً بالآثار الإيجابية التي تنتج عن تأكيد معاني المتابعة والمسؤولية والانضباط والفعالية في الأداء والإنجاز.

ومثل هذا في ساحات الثقافة والإعلام والأدب والفن وغيرها من المجالات.

المفارقةُ هنا أن التعبير عن موت جذوة الأمل، خاصةً بالإصلاح والتغيير، لا يحمل بالضرورة تلك الألفاظ والمفردات التي تدعو للتمرد أو الثورة أو المواجهة كما يعتقد البعض. وإنما يحمل مفردات اليأس والإحباط التي تدعو في النهاية إلى الاستقالة والانسحاب.

المفارقةُ الأكبر أن يعتقد البعض الآخر أن الحقيقة السابقة تستدعي الراحة، وتدعو للطمأنينة على مستقبل البلاد والعباد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store