قلنا في الجزء السابق من المقال أن الإجابة هي نعم.. ونعمٌ كبيرة.. وقلنا أن الأمل (مطلوبٌ) أولاً، وقبل كل شيءٍ آخر. ثم إن الأمل (موجودٌ) لألف سببٍ وعبر ألفِ مدخل.. وإذ تحدثنا هناك عن الأسباب التي تُحتّمُ على المجتمعات والدول إبقاء الأمل حياً، نبحث اليوم عن مداخله وملامحه، ومن أهمها أن ثمة جيلاً عربياً قادماً مختلف الملامح.
قد يرفض كثيرون هذه المقولة.. وهؤلاء يصلون لقرارهم بسبب ما يرونه انتفاء أسباب وجود مثل هذا الجيل أصلاً.. لكنهم يغفلون عن جملة حقائق تفرض قدومه.
فهذا الجيل الجديد قادم.. أولاً، لأن ثورة المعلومات والاتصالات اكتسحت العالم العربي، وكسرت كلّ أنواع الحواجز والحدود التي كانت تقف عائقاً أمام عالَمِ الأفكار على مدى العقود والقرون العديدة الماضية. ووحدهم الذين يعرفون ما الذي يفعله عالم الأفكار بالبشر وبالشعوب وبالحضارات، هم الذين يدركون ما تعنيه هذه الكلمات.. وأما الآخرون، فسيكون الجواب ما سيرونه في المستقبل القريب لا ما سيسمعونه الآن.
وهذا الجيل الجديد قادمٌ، ثانياً، لأن العالم تغيّرَ من حولنا بشكل جذري، ولأن قوانين اللعبة فيه اختلفت إلى حدٍ كبير، وإلى درجة لا يمكن لهذا الجيل استيعابها، لأن ثقافته وقناعاته تنتمي كلها إلى العالم القديم.
وهذا الجيل الجديد قادمٌ، ثالثاً، لأن عطاء الجيل القديم أدى إلى تراكم الفشل السياسي والثقافي والتنموي. ونحن إذا نظرنا من وجهة نظر حضاريةٍ عامة، فإننا نجد أن هذا الفشل يشكلُ في نهاية المطاف نوعاً من الفراغ الثقافي والسياسي والاقتصادي. والحياة بطبيعتها لا تقبل وجود الفراغ، وإنما لا بد من وجود عنصرٍ مُعتبر يملأ الفراغ فيها بشكلٍ أو بآخر.
وهذا الجيل الجديد قادمٌ، رابعاً، لأن لكل شيءٍ وظيفةً، ولأن لكل شيءٍ غايةً وحكمةً من وجوده. والواضح أن الجيل القديم استنفد نهائياً قدرته على أداء أية وظائف إيجابية في هذا الواقع الجديد. بل وإنه، أكثرَ من ذلك، وصلَ إلى نهاية المطاف فيما يتعلق بالحكمة والغاية من وجوده. ذلك أن كثيراً من الشعوب والأمم تمرُّ في فتراتٍ من تاريخها تُعتبر فترات امتحان واختبار لأفكارها ونُظمها ووسائلها، وهي فتراتٌ ربما تقترن بواقع الهزيمة والتبعية والتخلف والفساد على كل صعيد، لتَظهَرَ من ذلك الواقع على وجه التحديد الحاجةُ الماسّةُ للتغيير في تلك الأفكار والنظم والوسائل. وإذا كان من غايةٍ وحكمةٍ من وراء وجود الجيل القديم في الواقع العربي، فإن من غير الممكن رؤيتها إلا من خلال دورها في مثل ذلك الاختبار. ولولا الوظيفة التي قام بها الجيل القديم لما أمكن رؤية المفارقة بهذا الوضوح، فالضدُّ يُظهرُ حُسنهُ الضدُّ كما قالت العرب قديماً. من هنا يأتي الاعتقاد بانتهاء الوظيفة وبافتقاد الغاية والحكمة من وراء وجود الجيل القديم، ومن هنا، أيضاً، يأتي اليقين بضرورة قدوم جيلٍ جديد يتصدى لأداء الوظائف الجديدة المطلوبة في هذا الواقع الجديد.
لهذا كله، يمكن الحديث عن ظهور جيلٍ عربي جديدٍ قادم، لن ينزل حتماً من السماء، ولن يهبط من المرّيخ، ولن يأتي إلى هذه الأمة على حصان أبيض. وإنما سيخرج تدريجياً كما يخرجُ النهارُ من الليل، وكما يخرجُ الحيُّ من الميت، من عُمق المعاناة، ومن عُمق الأزمات من ناحية، ومن عُمق العِبَر والدروس التي ترتّبت عليها من ناحية ثانية.
وإذا كان العقل العربي المأزوم قد اعتاد انتظار التغيير المفاجئ والسريع القادم فقط من خلال الضجيج والصّخب، فإنه ربما يُفيق من غفوته عن قريب ليرى مصداق قوانين وسنن الاجتماع البشري وهي تنطبق على العرب، كما انطبقت وتنطبق على غيرهم من الأمم والشعوب والحضارات.
ورغم كل ما يوحي بغير ذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق بظهور هذا الجيل، إطلاقاً، وإنما بماهية الخيارات التي سيأخذها كل عربي، اليوم قبل الغد. وما إذا كان خيارهُ الواعي يتمثل في أن يكون فرداً من أبناء الجيل الجديد، مهما كان عمرهُ، أو لا يكون. أن ينعتق من أسر أغلال اليأس والعجز والإحباط التي تخنق الأفراد والمجتمعات، أو يُعلن استسلامه النهائي والمُطلق لها، فتُصبح أفكاره وممارساته رسالة استقالته من الحياة.


