منذ تأسيس المملكة العربية السعودية على يد المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رحمه الله، اهتمت برجال العلم والفكر والثقافة والأدب، وأنزلتهم المنزلة اللائقة بهم، فلقد قام المؤسس رحمه الله بتعيين عدد منهم في مرافق الدولة، وخصوصًا في مجلس الشورى الذي كان في بداياته وانطلاقته من مكة المكرمة مهبط الوحي ومأوى العلم والعرفان.
ويحضرني ما حفظته عن جيل الروّاد رحمهم الله أن الأديب الكبير محمد حسن عوّاد أصدر كتابه المعروف «خواطر مصرحة» في عام 1345هـ أي بعد عام واحد فقط من توحيد هذا الكيان الكبير. ولعل البعض لم يرقه آنذاك الأفكار الجريئة التي طرحها الرائد العواد، ولعل بعضهم فاتح آنذاك نائب الملك في الحجاز، أعني الملك فيصل رحمه الله، فكان رده الحاسم: «اكتبوا وردوا عليه فيما اختلفتم فيه»، وسار أبناؤه البررة بعد ذلك على هذا النهج القويم، ولا ننسى أنه في عام 1392هـ في عهد الملك فيصل رحمه الله عندما كان معالي المفكر محمد عبده يماني وزيرًا للإعلام، ورفيقه معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة وأثناء الاحتفالية بمؤتمر الأدباء الأول، الذي انعقد في مكة المكرمة تم إعادة تكريم عدد من الأدباء والمثقفين والشعراء وكانت لفتة إنسانية رفيعة.
وأتذكر أنني قرأت مقالة صحفية كتبها آنذاك معالي الشيخ الأديب والإنسان الودود الصادق حسن عبدالله آل الشيخ رحمه الله، وكان هو المسؤول عن تقديم براءة تكريم الأدباء نيابة عن اللجنة العلمية للمؤتمر، وكانت مناسبة المقالة هي وفاة الأستاذ العواد، فكتب آل الشيخ يقول «أتذكر أنني عندما سلمت البراءة كانت نظراته متواضعة، ولم يعرف ماذا قدم للأمة والمجتمع»، في إشارة إلى دوره القيادي والفكري، هو ومجايليه ومعاصريه.
هذه توطئة للإشادة بشيء من الاعتراف الصادق بما أقدم عليه خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، وفقه الله، من جهود اجتماعية وعلمية وثقافية، منذ أن كان أميرًا للعاصمة، ثم اختياره وزيرًا للدفاع، ثم مبايعته وليًا للعهد، ثم مبايعته ملكًا للبلاد، فلقد كنا نحضر المؤتمر الأول للمثقفين السعوديين، وكان كاتب هذه السطور برفقة عدد من رموز الأدب والفكر، مثل: معالي الدكتور فؤاد فارسي، الذي كان آنذاك وزيرًا للثقافة والإعلام، والأساتذة: محمد صلاح الدين الدندراوي رحمه الله، والأستاذ عبدالله خياط، رحمه الله، والأستاذ فؤاد عنقاوي، والأستاذ محمد الفال، وكان الملك سلمان لتوّه أنهى كلمة رائعة مفصلة في ذلك المؤتمر، فنظر إلينا من بعد وتوجه بالمسير إلينا فقدمنا للسلام عليه، فوجّه الحديث قائلاً، وكأنه ينظر إليّ، ويقول: «البعض كتب أن مثقفي مكة المكرمة لم يكن لهم دور يذكر في هذا المؤتمر»، في إشارة إلى ما كتبه البعض في هذا الموضوع بطريقة أو أخرى، فألهمني الله أن أقول: «هذه مجموعة من أبناء مكة المكرمة تبرهن على اهتمام الدولة السنية بالحرمين الشريفين ورجالهما وعلمائهما وأدبائهما ومثقفيهما». فقال بكلمة حاسمة وموفقة: «وأنا من مكة المكرمة أيضًا». ثم انفض الجمع المبارك وفاتحني أستاذنا صلاح الدين بما تركته كلماته يحفظه الله من انطباع إيجابي ووطني وشعور بالفخر والاعتزاز بالقيادة الرشيدة.
ولعل صحافتنا اهتمت في السنوات الأخيرة بالزيارة التي قام بها الملك سلمان للأديب راعي الإثنينية عبدالمقصود خوجة، وذلك عند بداية مرضه، وأعلم شخصيًا سؤاله الدائم عن أسرته وهو على فراش المرض، وكذلك قيامه بزيارة معالي السيد أحمد زكي يماني أثناء مرضه، وقد أخبرني بعض من كان حاضرًا بتلك الخطوة الحضارية والإنسانية، حيث خاطب الملك سلمان، السيد زكي وعائلته الكريمة قائلاً: أنت أخونا»، في خطوة تقر بدور المواطنين في خدمة بلادهم وكيانهم ومؤسساتهم واعترافًا بولائهم للوطن وقيادته الرشيدة. كما كنت شخصيًا مع الأستاذ أحمد دياب في استقبال الملك عندما جاء في اليوم الأول لعزاء الأديب والمبدع محمد صادق دياب رحمه الله، وقدم خادم الحرمين الشريفين العزاء بكلمات تنضح بالمحبة الصادقة للكاتب دياب ودوره الأدبي والثقافي.
إن اللقاء الأخير الذي جمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أيده الله بعدد من الكُتّاب والمثقفين والعلماء، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك حفاوته المعهودة بهم، ونهجه الأصيل في تكريمهم، وهو أمر يدعو للغبطة، ويزيد من يقين الفرد بعظمة هذه القيادة، ونفاذ بصيرتها، وبُعد مرماها، ونصاعة مقصدها.
اهتمام القيادة بالمثقف السعودي من العوّاد إلى أبي عبدالرحمن ورفاقه
تاريخ النشر: 06 نوفمبر 2018 01:00 KSA
رؤية فكرية
A A


