Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

عبدالعزيز الرفاعي في ملحمة الحب والخلود

رؤية فكرية

A A
يُصنَّف الأستاذ الأديب عبدالعزيز الرفاعي، رحمه الله، على أنه رمز من رموز الروّاد، وأنه جمع في الصنعة الأدبية بين الشعر والنثر، على أبدع ما يكون الجمع، على قلّة ما نشر من إبداع شعري، ومنه هذه الرائعة «السلام عليك» التي صاغها في مدح الجانب المحمدي الشريف، في أخريات حياته، فكانت خاتمة المسلك، وفريدة العصر. ولابد لنا من الإشارة إلى أن الأستاذ عبدالعزيز الرفاعي، رحمه الله، قد جمع كذلك بين الثقافتين؛ الدينية والأدبية، حيث درس في الحرم المكي الشريف، ويعد واحدًا من أبرز طلاب ومريدي فضيلة السيد محمد أمين الكتبي الحسني، رحمه الله رحمة الأبرار، والذي سبق لنا أن أوردنا نصًّا من نصوصه الشعرية، التي تشرف فيها بمدح الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ونُشر في هذه الزاوية، ضمن نصوص أخرى في ذات المجال والسياق.

لقد سلك «الرفاعي» غفر الله له، في هذه القصيدة مسلك الولِه المُحب، المعترف بتقصيره، والمدرك لسمو مقام سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بما يجعل من قصيدة المدح في حق الرسول الصادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، شرفًا لصاحبها وقربة في درجات الحب.. ولعل هذا ما يبدو واضحًا في مطلع هذه القصيدة الرائعة، حيث يقول الرفاعي:

المُبدعونَ -وكيفَ لي أن أُبدعا قطفوا الرَّوائعَ لمْ أجدْ لي مَطْلعا

ضفروا لسُدَّتِك النّجومَ فزاحموا فيها، فما تركوا هنالكَ مَوْضعا

ذهبوا بمدحك حيثما ذهب الهوى فحسبتُهم أهدوا إليك روائعا

ولقد ظننتُ بأنّهم بلغوا الذُّرى فإذا بمجدكَ لا يزال مُمَنَّعا

وإذا هُمُ في السفحِ منك جميعُهم وأنا الذي «ما طار حتّى وقَّعا»

إنّ هذا النهج في الاعتراف بالتقصير، وعدم القدرة على بلوغ درجات سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السنية، أدب عرفه الواصلون، وقيمة أدركها العارفون، ومقامًا لزمه المحبون، وأرسلوا من تلك الحالة قصائدهم لتتشرَّف بالدنو رمزًا ومحبة من ذلك المقام المنيف، ولقد صدق الرفاعي حين قال في قصيدته:

ولقد مدحتُك صادقًا لا سابقًا والعاشقون لكلِّ قلب ما ادَّعى

ولقد زعمتُ بأنّني لك عاشقٌ والعشق يستهدي القلوبَ مسامعا

فإذا تدفَّق خاطري فبفضله وإذا تحجَّرَ، لن أكفَّ تَطلُّعا

والقلبُ شفّاف إذا صدقَ الهوى يجتازُ بالنُورِ المُشعِّ الأضُلعا

ثم يمضي الرفاعي في قصيدته على ذات المنوال الذي سار عليه مادحو الحبيب المصطفى، متنقلين في رياض صفاته، وحدائق سنته، وجنان مكارمه وفضائله التي لا تحصى ولا تعد:

النّاسُ إنْ مُدِحوا استطاروا فرحةً والمادحُ المصنوعُ ليس الصّانعا

ومديحُ ربِّك، وهو أنفس مِدْحَةٍ قد زاد فيك تعبّداً وتواضعا

الشّكر فيك منارة قدسية تهدِي من اتّبع السِّراجَ السَّاطعا

ويطوّف بنا الرفاعي، طيب الله ثراه، على لمحات من سيرة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ومن ذلك إسراؤه صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس الشريف، ومعراجه إلى سدرة المنتهى، حيث بلغ من القرب ما لم يبلغه نبي ولا مرسل، ولا ملك مقرب ولا بشر:

جُزْتَ الطِّباقَ السّبعَ بل ما فَوْقَها من حيثُ وقفَ الأمين مُرَوَّعا

ولقد صعدتَ من المكارمِ سبعةً من قبلِها، واجتزتَ حتى السابِعا

بنَتِ الملائكُ في ذُراها كعبةً ظلُّوا لديها الطائفينَ الرُكَّعا

وبَنَى أبوك كَمِثلها معمورةً في ظلِّها، صلةً ورمزًا رائعا

إن المرء ليغالب الدمع وهو يمر في أفياء هذه القصيدة التي تنضح صدقًا، وترشح حبًّا، وتتسامق وجْدًا في حضرة الأمين سيد الخلق أجمعين، بأبي هو وأمي ونفسي، صلّى الله عليه وسلّم، فقد ختمها الرفاعي بما تتوق إليه نفس كل محب، وتتشوق إليه روح كل عاشق للجانب المحمدي، أوليست الغاية أن يرد علينا السلام سيدنا حبيب الله، صلّى الله عليه وسلّم، أوليس المنى أن تُظلنا شفاعته يوم الموقف العظيم، نعم.. ذاك ما ختم به الرفاعي قصيدته، كأروع ما يكون الختام:

لكَ في كياني ذرّةٌ أدنو بها إنْ لم أفِدْ طبعًا رجوتُ تَطَبُّعا

أبتي: إذا ابتلَّتْ بها شَفَتِي ارْتَوَتْ وشعرتُ أنِّي لن أكونَ مُضَيَّعا

رُدَّ السَّلامَ فإنْ وهبتَ زيادة ًفلأنتَ أهلٌ أنْ تَزِيدَ وتُشْفِعا

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store