Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد خضر عريف

اختبارات.. وليست امتحانات

A A
نعيش اليوم في معمعة الامتحانات، وتشهد جميع الأسر حالة (الاستنفار القصوى)، وتضرب على الأبناء حصاراً محكماً يحول بينهم وبين سبل الترفيه والتسلية، ويُمنعون حتى من الخروج من البيوت، كل ذلك في سبيل أن (يفلحوا) في امتحاناتهم العديدة والمديدة، حتى أنك تسمع صيحات صغار الأبناء وصغيرات البنات التي تعبر في كثير من الأحيان عن الضجر والضيق والتبرم: (خلاص يا أمي كفاية.. خليني أستريح شوية!).

ولا أريد في هذه المقالة أن أعزف على الوتر نفسه، فأقول: إنه ينبغي تخفيف «واقعة» الامتحانات على الطلبة والطالبات، وعدم تغيير نمط حياتهم بشكل «درامي» في هذه الحقبة، بل أريد أن أتساءل في هذه المقالة: هل تحقق الامتحانات في مدارسنا الغرض الحقيقي منها بعد كل ذلك الجهد وكل ذلك الاستنفار؟ والسؤال الأدق المتعلق بهذه الفكرة: هل تقيس الامتحانات نمو مهارات أساسية لدى الطلاب في كافة المواد، أم أنها تقيس نمو رصيدهم من المحفوظات فحسب؟.

وللإجابة على هذا السؤال لابد من إعادة النظر في مفهوم الامتحان نفسه، وقد ذكرت في مقالات قديمة على صفحات هذه الجريدة أنني أُفضِّل أن أستعمل كلمة «اختبار» بدل كلمة امتحان، علماً بأن بعض الدول العربية تستعمل كلمة «فحص» وهي الترجمة الأدق لكلمة «Test » الإنجليزية. فالاختبار ليس إلا فحصاً لقدرات الطالب لتشخيص حالته، فإن تحقق لديه نمو معين في مهارات معينة اجتاز الفحص، وإن لم يتحقق هذا النمو فلابد من إعادة تأهيله إما بالدور الثاني أو بإعادة السنة. وكلمة «اختبار» أو «فحص» أخف وطأة من كلمة «امتحان» المشتقة من «المحنة» وهي «المصيبة» أو «النازلة». كما أن المصطلحين السابقين يفكَّان الارتباط بين الامتحان والإكرام والإهانة بالضرورة كما يُقال دوماً: «عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان». فاختبار الطلاب لا ينبغي بالضرورة أن يُربَط بالإكرام والإهانة، وكون أحد الطلاب قد أخفق في مادة ما لنقص معلوماته فيها أو ضعف قدراته ليس مدعاة لإهانته وتقريعه. ولعل هذا المسلك هو ما يدفع أبناءنا وبناتنا إلى أن يرتعدوا من الاختبارات لأنهم يخشون ما ينتظرهم من الثبور وعظائم الأمور إن هم لم يفلحوا في بعض المواد.

ومن الأساليب المتبعة من بعض أولياء الأمور، أن يجعلوا أبناءهم يعيشون في اكتئاب مستمر طوال فترة الامتحانات، بحيث لا يسمحون لهم بالترفيه عن أنفسهم على الإطلاق خلال هذه الفترة بطولها وعرضها. فاللعب محظور فيها، والخروج من المنزل محرَّم، ومشاهدة برامج الأطفال في التلفاز ممنوع وهكذا. وكل ذلك يجعل الطفل يحس بأنه يعيش فترة عقاب وحصار وليس فترة امتحان عادية يمر بها دوماً، وكأن أباه أو أمه يعاقبانه سلفاً على الرسوب قبل أن تظهر النتيجة. إضافة إلى أن أي أمر متصل يمكن أن يكون مملاً جداً لأي إنسان، فما بالنا بالصغار الذين يشعرون بالملل سريعاً، ويؤثر ذلك على استيعابهم للمواد أثناء مذاكرتهم. ولابد من أن تتخلل فترة المذاكرة فترات للراحة والاستجمام والتسلية، ويمكن أن تخصص ساعة أو أكثر من بعد العصر ينطلق فيها الطلاب للعب واللهو في فناء المنزل أو حتى في داخله، ولن يؤثر ذلك على عطاء الطالب، بل سيعيده إلى دروسه وهو أكثر نشاطاً وأصفى ذهناً وأكثر استعداداً.. وما يمكن أن يؤثر عليه سلباً فعلاً أن يقضي الساعات الطوال أمام كتابه دون فترات للراحة والاستجمام، لذلك نقول إن على الوالدين اللجوء إلى الترغيب أكثر من لجوئهم للترهيب.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store