تحولت الخلافات السياسية في واشنطن إلى خلافات قبلية، حسب وصف بعض المحللين الأميركيين، وعندما تدخل القبلية في السياسة يضيع الوطن وتصبح القبيلة هي المرجع ويكون الولاء لها لا للوطن الذي يجمع كل القبائل.. والقبيلة في واشنطن أصبحت هي الحزب، إذ يصبح العضو في أي من الحزبين الديموقراطي والجمهوري يوالي زعامة حزبه (أي شيخ القبيلة) على حق أو خطأ، ويصر على أن قبيلته (حزبه) على حق والآخرين على خطأ، ويعتبر أي خروج عن توجهات الحزب خيانة كبرى.. وفي هذا الجو القبلي سقطت الحلول الوسطية، وضاعت اللعبة السياسية.
التعصب (القبلي) في واشنطن أدى الى فقدان واشنطن للقرار الصائب وأصبح بإمكان تغريدة على تويتر أن تغير من العلاقات الأميركية مع دول العالم، وأصبحت الشتيمة للآخرين والسخرية منهم، أكانوا السياسيين الأميركيين الآخرين أو زعماء دول صديقه لأميركا، أسلوباً سياسياً مقبولاً.. الأمر الذي يؤدي لسقوط هيبة أميركا في الخارج وفقدان ثقة الآخرين بها، أكثر مما كان في السابق.. لذا تدفع الدول الأخرى صغيرها وكبيرها الى البحث عن بدائل للتحالف والتعاون، على المستوى الدولي، مع أطراف يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها.
وتكاد أن تكون تغريدة الرئيس دونالد ترمب بالانسحاب من سوريا والتخلي عن حلفاء أميركا هناك، أكان الأكراد السوريين أو التحالف الدولي القائم لمحاربة داعش، القشة التي قصمت ظهر البعير في الثقة بأميركا في المنطقة، فانسحاب أميركا من سوريا، وهو امتداد لسياسة سابقة من أيام الرئيس باراك أوباما، تتيح الفرصة لعدد من اللاعبين في الساحة السورية السعي لتوسيع نفوذهم وتثبيت قواعدهم. وأبرز المستفيدين، بالإضافة الى روسيا، هو نظام الملالي في إيران الذي تدعي إدارة ترمب أنها تسعى لتقليص نفوذه خارج حدود بلاده وإضعاف سلطته داخلها، إذ يعتبر النظام الإيراني الانسحاب الأميركي من سوريا انتصاراً له، ويحوله الى مكاسب سياسية داخلية، ويتيح له هذا الانسحاب التمدد عبر مليشياته ومستشاريه، الى مساحات واسعة ومواقع أكثر أهمية، ولن يكون لما يسعى الإسرائيليون تسميته بالرادع تأثير يذكر بدون وجود أميركي على الأرض ومظلته التي كانت تتيح لهم التحرك بحرية أكبر مما يمكنهم فعله بدون الرعاية العملية الأميركية.
في نفس وقت التراجع الأميركي، داخلياً وخارجياً، وفقدان الثقة في إداراتها وسياساتها يبرز دور موسكو في المنطقة كحليف استفاد من اعتمد عليه من دول المنطقة من وضوح في سياسته وأهدافه، وعدم رغبة، مخفية أو معلنة في تغيير نظامه أو إدارته، كما الحال مع كل من واشنطن وأوربا (السودان آخر مثال). يقوم الصينيون عبر وسائل اقتصادية وتنموية بالتعبير عن رغبتهم في التعاون باستخدام قوتهم الناعمة في دعم علاقتهم مع العالم. أي أن الدول التي ترى في علاقتها مع واشنطن قضية خسرانة ستجد سبيلاً للتعاون على المستوى الدولي مع طرفين، أو أحدهما، يمكن الاعتماد على كلمته والوثوق بنواياه.
فهل نحن الآن في مرحلة انتقالية تفقد فيها أميركا، ومعها أوروبا، أصدقاء وحلفاء وتحل محلها، في الشرق الأوسط، صداقات وتحالفات جديدة مع كل من موسكو وبكين. وهل فقدت أميركا القدرة على النظر للمستقبل وتسلط عليها الانقسام الحاد على حساب الوطن؟، وهل سنشهد تفكك الفيدرالية الأميركية وتحول ولاياتها الى دول ودويلات مستقلة؟، وهل سيقول الشرق الأوسط لأميركا: وداعاً، ويعلن ترحيبه بعصر جديد من التحالف مع موسكو وبكين؟!.


