الشتاء هنا في (جدة) بمطره المرتقَب يحيي ذاتي من جديد، ففي السنوات الأخيرة لم يعد المطر يخيفنا كما كان.. لم يعد يجعلنا نراقب السماء بقلق، لم يعد يعيق سياراتنا، وتتعثّر به طرقاتنا، وتسبح فيه ممتلكاتنا، لم نعد نتسمر في البيوت وننام في المكاتب.!

اليوم وفي طريقي للبيت وقع نظري على ممشى بجانب بيتنا.. يتمشى فيه الصغار والكبار، يتنفسون الأجواء من البيوت الإسمنتية بينما الفرح والانتشاء النفسي على وجوههم مسرورين، حتى كأنما الحاضر محا ذلك الماضي الموجع لكوارث أمطار جدة في ذاكرتنا حيث السيول المفجعة، صدقًا فقد تبدّى لي اليوم أن كابوس الأمطار يتلاشى وأن ذلك التاريخ قد أسدل الستار عليه ليكون من سيرة «كان ياما كان».

أصبحنا اليوم في جدة نتحدث عن الجو مثل الدول الأوروبية، يسكننا ويسعدنا فينسينا حتى أنفسنا، لكن هناك غصة في الحلق والفؤاد، لا أحد منا يعلم عن المدة التي ستعالج جدة جروحها كاملة، فأمراضها مزمنة؛ وأمين عامها صالح التركي بات يحمل إرثًا قديمًا لمشاكل «جداوية» لا تنتهي ويحتاج الكثير من الوقت والجهد لمعالجتها.

ليس بوسعنا دائمًا إلا أن نتعلق بالآمال كلما لاحت، لهذا نضعها اليوم على أمينها والأمل كبير، والبوادر محفّزة، فالسور المكسور الذي أزاحه باكورة علاج الإرث القديم وبين ليلة وضحاها أصبح نافذة لفجر جديد لبحر جدة.