كيف سيُصبِح شكل العالم إذا ما أثبتت التحقيقات الأمريكية أن الاستخبارات الروسية قد تمكَّنت بالفعل من التدخل- عبر الإنترنت- للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية، التي حملت الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض؟! ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما كشفت الأيام أن تدخلًا روسيًا- عبر الإنترنت- كان عامل ترجيح لكفة التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإنتاج المأزق الراهن؟! دعونا نعترف أن الصناديق الشفافة في الغرب، باتت موضع شك لدى أطراف رئيسة في اللعبة السياسية، وأن مصدر هذا الشك، يتمحور في الغالب حول أحد أمرين: الأول: أن تيارات شعبوية، ساهم فضاء الإنترنت في حشدها، وفي تضخيم تأثيرها، باتت الأعلى صوتًا، والأقوى تأثيرًا في اتجاهات رأي عام، أصبح مستباحًا، بفعل تقنيات اتصال آخذة في التطوُّر والانتشار والتأثير. وهنا يُصبح مصدر الشك، هو توجهات شعبوية نمت وتطوَّرت على نحو عفوي، بفعل تقنيات اتصال فائقة التطور والسرعة. الثاني: أن ثمة دول، أو قوى، أو أجهزة، أو جماعات، قد خططت لاستثمار التطور الهائل في تقنيات الاتصال، بقصد التأثير على خيارات جماهير، وضعت ثقتها في نظام يحمي حريتها في الاختيار، ويكفل حماية تلك الخيارات ضد محاولات العبث بها. اللافت في مأزق الصناديق بالغرب، هو أن العبث بإرادة الناخبين لا يتم داخل الصناديق، وإنما داخل عقول الناخبين، فهو عبث بإرادة الناخب قبل التصويت، في مرحلة اتخاذ القرار، وليس بعده، كما يحدث في معظم دول العالم الثالث، سواء في مرحلة التصويت أو حصر الأصوات أو إعلان النتائج، فالتدخل الإلكتروني عبر السوشيال ميديا في الغالب؛ يحدث في مرحلة التأثير على اتجاهات الرأي العام قبل الذهاب إلى الصناديق، وهو ما يقول أعضاء بالكونجرس الأمريكي، ومُحقِّقون أمريكيون أنه حدث في سياق حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ لإضعاف فرص هيلاري كلينتون في الفوز، وهو كذلك ما تلمح إليه مصادر بريطانية من احتمالات حدوث تدخُّل روسي عبر الإنترنت، للتأثير على الرأي العام بشأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي. بمنطق التحقيق الجنائي، وبالبحث عن المستفيد من تدخُّل محتمل في انتخابات الرئاسة الأمريكية، أو في الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، قد تكون موسكو مستفيدة، لكن خبراء رفع البصمات لم يعثروا بعد على بصمة تقطع بتدخل روسي قاد إلى حرمان السيدة كلينتون من الفوز برئاسة الولايات المتحدة، ما أتاح لترمب فرصة الفوز بالمقعد الرئاسي، أو بتأثير روسي قاد إلى تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي. ماذا، إذا انتهت التحقيقات الأمريكية إلى تأكيد وجود بصمة روسية أثرت في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة؟! الأمر لا يتعلق فحسب بفرص استمرار الرئيس ترمب الذي سيحتفظ على الأرجح بمقعده الرئاسي طوال الفترة الرئاسية الأولى، لكنه، وهذا هو الأهم، يتعلق باحتمالات مواجهة دولية ثقيلة العيار بين روسيا، وبين قوى غربية عظمى أو كبرى، فاختراق صناديق الديمقراطية الغربية المستقرة، يضع الحضارة الغربية كلها في مواجهة تحدِ فريد، يُوشك أن يقوض مباديء قامت عليها تلك الحضارة، واستقرت لأكثر من ثلاثة قرون. العالم يُسدِّد من حريته، فاتورة تقدّمه العلمي والتقني، فلا أحد يملك ترف الاختيار بين أن يستخدم تقنيات الاتصال الحديثة أو أن يهجرها، بسبب انخراط الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب، في استخدام تلك التقنيات التي باتت ضرورية للرزق والعمل والحياة والسلامة والترفيه. أتصوَّر أن الديمقراطية بمعناها الكلاسيكي، وبأدواتها التقليدية كصندوق الاقتراع، باتت في مأزق، وأتصور أن موجة الشعبوية التي تجتاح العالم من أعلى رأسه في أمريكا إلى أخمص قدميه في الصومال، سوف تتواصل بفعل فرط التواصل المعرفي والإنساني، وأتصور أيضًا، أن من غرفة القيادة في النظام الدولي الجاري تشكيله، سوف يُديرها مَن يُحكِم سيطرته على تقنيات الاتصال، لا مَن يمتلك رؤوسًا نووية أكثر أو أذكى. أوربا تتغيَّر بفعل تيارات شعبوية أنتجها فرط التعارف الناجم عن فرط التواصل الإلكتروني، بولندا تفر غربًا، والمجر تعود شرقًا، وروسيا التي غادرت الكاريبي، تعود من الباب الفنزويلي، بينما إيطاليا وفرنسا تستعيدان أجواء تنافس استعماري في ليبيا. سيناريوهات السيطرة الإلكترونية على إرادات الناخبين في صناديق الديمقراطيات الغربية، ربما لم تَدر بخلد كبار مخرجي أفلام الخيال العلمي، لكنها الآن تُغيِّر خرائط القوة، وتُعيد رسم مناطق النفوذ، وتسحب البساط من تحت أقدام حاملات الطائرات وقواعد الصواريخ الذكية. العقول، والإرادات، هي مسرح عمليات الحروب المقبلة، ومنطقتنا هي المختبر الذي تجري فيه منذ سنوات بعض أشرس هذه الحروب.


