Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

من المسيحية إلى الإسلام.. البصائر المنيرة

رؤية فكرية

A A
تناقلت وسائل الإعلام الغربية منها والعالمية خبر النائب الهولندي يورام فان كلافرين، الذي هجر مسيحيته واعتنق الإسلام عن اقتناع، بعد أن كان من ألد أعدائه، وأشدهم خصومة ولجاجة للمسلمين.

ومن الأخبار الموثقة التي أحاطت برحلة انتقاله من المسيحية -ديانته الأصلية- إلى الإسلام، بأنه قد انقطع لفترة من الزمن، باحثًا عما افترضه من نقائص في الإسلام يحاجج بها، بحيث يستفيد منها حزبه اليميني المتشدد، خصوصًا في تعامله مع القضايا العربية سياسيًا، والطائفة المسلمة اجتماعيًا. ومعلوم أن هذا التيار الغربي خاضع للتيار الصهيوني المتشدد، والذي تمثله حكومة الليكود في الحقبة الحالية. وقد اعترف؛ هذا الآيب إلى الطريق المستقيم، بأن العامل الأساسي الذي أثّر في عقليته ووجدانه هو إعجابه بشخصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى ما اقترفته التيارات الدينية المتشددة، مثل السلفية الجهادية، وداعش وغيرهما من الجماعات المتطرفة، من تشويه لصورة الدين الإسلامي النقية والسمحة، كما أنه لا يخفى بأن المؤسسات التعليمية في كثير من البلدان الإسلامية انشغلت بتغليب الجانب السياسي المتزيي باسم الإسلام في تعاملها دون الالتزام بجوهر الدين الحنيف، وهجران الجانب الروحي، الذي تبحث عنه النفوس الظامئة والتواقة إلى عوالم الفضيلة والتسامح والمحبة والوئام وحسن الظن بعقائد الآخرين، بعيدًا عن تصنيف الناس ووصمهم بالخلل العقدي والبعد عن المنهج الذي أراد الله له أن يسود بين الناس جميعًا، بما خلف حالة من التناقض العجيب في السلوك والمعاملة عند تلك الجماعات.

ولعلنا نتوقف للتذكير ببعض سلوكيات الحبيب صلّى الله عليه وسلّم تجاه أعدائه؛ فهذا عبدالله بن أبي بن سلول يتقصّد الإساءة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلم بذلك ابنه المسلم عبدالله، فجاء إلى الحبيب صلّى الله عليه وسلّم متحمّسًا، وخاطب النبي صلّى الله عليه وسلّم في أدب وسكينة ووقار قائلاً له بأبي هو وأمي: إن كنت تريد قتل أبي فأمرني بقتله حتى لا تأخذني الحماسة فأقتل مؤمنًا بكافر، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال له: بل ندعو له بالهداية، ونحسن جيرته.. وفي رواية أخرى خاطب فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صاحبته قائلاً: أتريدون أن يقال إن محمّدًا رجل يقتل أصحابه.

وفي يوم فتح مكة، وعلى الرغم مما لاقاه سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عنت ومشقة وأذى من كفّار قريش إبان بداية الدعوة؛ إلا أنه خاطبهم بعد الفتح قائلاً: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.. فقال، صلّى الله عليه وسلّم قولة ذهبت مثلاً على مر العصور والأزمان: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وفي يوم هوازن خرجت إليه أخته من الرضاعة؛ الشيماء، ففرش لها إزاره الشريف، وأجلسها بجانبه، وقبل شفاعتها في قومها. وكان البعض يدعو على هوازن، فقال صلّى الله عليه وسلّم : اللهم اهدِ هوازن.

كذلك نتذكر موقفه العظيم يوم حجة الوداع، وذلك عندما أشيع أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سوف يبقى في مكة بعد حجة الوداع، فجمع صلّى الله عليه وسلّم الأنصار قائلاً: لو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي وشعب الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون أنتم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم.. قال الراوي: فبكى القوم من الأنصار حتى اخضلت لحاهم.. فزاد رسول الله صلى الله عليه وسلّم قائلاً: اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.. فسكنت نفوس، واطمأنت قلوب وعقلت عقول..

ذلك هو ما يفترض أن يكون بين أبنائنا في الدرس والتحصيل، ولعلك تعجب من شخص ينكر عليك أن تُسيّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه لا يسامحك ويصفح عنك عندما تجرد شيخه أو أستاذه من عبارات الثناء والتفخيم والتبجيل، وكذلك تعجب من البعض ممن جعلوا جلَّ خطبهم وأجندتهم السعي في البحث عن مآل والدي النبي صلّى الله عليه وسلّم، مع أن القرآن صريح في هذه القضية؛ حيث قال، عزَّ مِن قائل: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً»، ومعلوم أن والدي حبيبنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم يدخلون في عموم هذه الآية، ويدخلون في قوله تعالى مخاطبًا حبيبه صلّى الله عليه وسلّم بالقول المحكم: «ولسوف يعطيك ربك فترضى».. أفيرضى أن يكون والداه في النار.. ما لكم كيف تحكمون؟!.

فإن كانت بعض موارد النصوص الأخرى يفهم منها خلاف النجاة؛ فلابد من تأويلها حتى لا يكون ثمة تعارض بينها وبين الآية قطعية الدلالة والثبوت..

إن الإسلام اليوم أحوج ما يكون إلى أشخاص يتمثلونه سلوكًا، بحيث يتطابق فعلهم مع قولهم، فلا حاجة له بلسان عليم وقلب غافل، وسلوك مجافٍ، فإن ذلك لا يزيد الآخرين من غير المسلمين إلا بُعدًا عن الدين، وإنكارًا له، فمن أراد أن يدعو إلى الدين اليوم؛ فليكن الدين حياته وسلوكه في حركاته وسكناته، عندها سيبلغ الدين إلى الناس جميعًا دون كثير عناء أو مشقة.. والله من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store