كان يُعرف حزب العمّال البريطاني في الماضي بانتصاره واعتناقه للأفكار الصهيونية، ويذكر الإرهابي مناحيم بيجن Menahem Begin أنه قبل تأسيس الكيان الصهيوني، كانت الحركة الصهيونية تتطلع إلى فوز حزب العمّال البريطاني بانتخابات عام 1945م، وهو ما حدث فعلاً، لأن الحركة الصهيونية اعتمدت في أدبياتها على الترويج للاشتراكية الفابية، والتي كان حزب العمّال يستهدي بها في مسيرته السياسية، إلا أن صعود اليسار في نهاية السبعينيات الميلادية، وبداية الثمانينيات الميلادية غيّر هذه المعادلة؛ فلقد نشأ داخل حزب العمّال تيار سياسي واعد يدعو إلى إنصاف الشعب الفلسطيني، وقيام دولة مستقلة له، وكان يقود ذلك التيار السياسي المعروف مايكل فووت Michael Foot ، ورفيقه الراحل توني بين Tonni Benn، بل ذهب الحزب أبعد من ذلك حيث قام سياسيون بريطانيون من جذور يهودية بالعمل لصالح القضية الفلسطينية، وكان في مقدمتهم القطب العمالي الراحل جيرالد كوفمان Gerald Kaufman، والذي وصف أرييل شارون Ariel Sharon يومًا بأنه «دنّس نجمة داوود». وكان كوفمان من أوائل السياسيين الغربيين الذين قابلوا ياسر عرفات في مقر إقامته آنذاك بتونس العاصمة، وللأسف الشديد غاب اسم كوفمان عن الذاكرة العربية، ولنعترف أن اليهود أكثر اهتمامًا ورعاية بمن يشاطرونهم أفكارهم، ويدعمون سياساتهم.
حزب المحافظين عرف بعلاقاته القوية مع العرب والمسلمين داخل بريطانيا وخارجها، وكانت هناك قامات سياسية في هذا الحزب، مثل اللورد بيتر كارينغتون Peter Carrington واللورد دوقلاس هوم Douglas Home كانا من أنصار قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وفق قرار 242 الذي صاغه مندوب بريطانيا هيو فووت، والذي يعرف في عالم السياسة باسم اللورد كاردون Cardon ، بعد حرب حزيران في الأمم المتحدة.
في السنين القريبة، وبعد اختيار جيرمي كوربن Jeremy Corbyn زعيمًا لحزب العمّال افتعل اللوبي الصهيوني أزمة مع أنصار كوربن على خلفية ادعاء بالعداء للسامية في مواجهة بعض أعضاء هذا الحزب، ولم تنتهِ الأزمة هذه داخل أروقة حزب العمّال حتى تناقلت الأوساط تعليق عضوية عدد من النوّاب في حزب المحافظين على خلفية تغريدات تمسّ الوجود الإسلامي في بريطانيا، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، بدعوتها الصريحة إلى قفل بعض المساجد، والمؤسسات الإسلامية.
وفي خضم الزخم السياسي الذي تعيشه بريطانيا بسبب قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي، المعروفة اختصارًا بـ»البريكست Brexit»، تجد حكومة تيريزا ماي Theresa May نفسها أمام قضايا تتطلب منها مواقف موضوعية تحفظ تماسك المجتمع البريطاني بفئاته المختلفة والمتباينة، كما يجد جيرمي كوربن نفسه ملاحقًا من قبل اللوبي الصهيوني الذي يسعى لتقوية قبضته داخل الحزب لصالح إسرائيل، وهو ما يعرف في أدبيات السياسة البريطانية بمنزع «الولاء المزدوج».
عداء للسامية في «العمال».. وإسلاموفيا في «المحافظين»
تاريخ النشر: 12 مارس 2019 01:00 KSA
رؤية فكرية
A A


