هل يتذكر أحد من أبناء جيلي كيف كنا نتسابق ونحن أطفال على قدر الأرز لنأكل ما تبقي في قاع القدر من أرز محروق وملتصق ولا يخرج إلا بحكه.. وهو ما كنا نسميه بـ«الكُدادة».
جال في ذهني كيف نشأ هذا التصرف بيننا آنذاك، وكيف كان الحرص على «النعمة» شديداً بين الناس حتى كان آباؤنا يقصون علينا كيف أن ترك بعض الأرز في طبق طعام أحدنا سيعرضنا يوم القيامة إلى العقاب من الله تعالى حيث أن كل حبة أرز نتركها ستجري وراءنا، وكيف أن حبات الرمان هي من حبات الجنة وأن علينا ألا نترك حبة منها تقع على الأرض فنحرص بذلك على الطعام وحفظه.
****
هذا النهج القديم في التعامل مع الطعام لم أشاهد أطفالي أو أحفادي يهتمون به، ليس فقط لأنهم يفضلون اليوم الأكل الجاهز من المطاعم، خاصة «الوجبات السريعة»، أو ما يُسمي بالـ(Junk Food) ، وهي أطعمة سريعة غير متوازنة غنية بالكوليسترول والدهون المشبعة، بل لأنه تغيرت نظرتنا للنعمة بعد أن فتح الله علينا بالخيرات فنسينا كيف كانت «اللقمة» عزيزة علينا وتحول الحال بنا أن نجد بيننا من يصل تبذيرهم وإسرافهم في موائد الطعام إلى درجة السفه.
****
إن من شكر النعمة احترام وتوقير الطعام وعدم الإسراف في الأطعمة ونبذها إذا أكل منها الشيء اليسير ينبذ الباقي في القمامات، فليس هذا إلا شكل من أشكال الكفر بالنعمة.. وليكن لنا عبرة في من حولنا من الشعوب التي كانت لا تقل عنا رغداً في العيش فتبدل بها الحال.. ولنشكر الله على نعمه ونعمل على حفظها، فالنعمة إذا لم تُشكر زالت.
#نافذة:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
النحل: 112


