Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
واسيني الأعرج

في الاستثمار الثقافي

A A
الاستثمار الثقافي هو استثمار في الآتي والمستقبل، في الإنسان الذي ستوكل له مهمة بناء وإعادة تشييد أرض أخرى للحب والسلام؛ إذ لا مستقبل للبشرية إلا السلام، به نبني وبه نحلم بغد أكثر إنسانية.. ولا وسيلة للوصول إلى ذلك إلا بالثقافة.. ليست الحروب هي ما ينقص هذه الأرض الملتهبة في أغلب مناطقها، ولكن العقل المفكر الذي تقوده الثقافة الحية والمفتوحة على المحبة والخير.. كلما حضرت الثقافة ووعيها، تراجعت الحروب والعنف، وحل محلها الإنسان كقيمة متعالية ومطلقة.

ما فعلته بعض البلدان طوال السنوات الماضية يجب أن ينظر له بإعجاب كبير، فهو أكبر من مجرد اختيار، هو رهان على قدرات الإنسان للتجدد والإبداع.. لا قوة تخرج المثقف العربي من سوداويته سوى قوة الثقافة الحية.. كلما كان الاستثمار قويًّا وعميق كانت المحصلة أفضل وأعظم وأجمل.. لا إنسان بلا قاعدة ثقافية لا تحميه فقط من الخارج ولكن تحميه أيضًا من نفسه، من اليأس والخوف من المستقبل الذي يفرض نفسه بقوة.

كثيرًا ما تراجع المثقف العربي وراء رماد الوضع العام واليومي الذي سيطرت عليه الخيبات ورماد الحروب.. لكن هذا الوضع ليس قدرًا مطلقًا، يمكنه أن يتغير بالمبادرات الحية سواء المحلية أو العالمية في عالم أصبح قرية صغيرة..

فقد عرفت أمم كبيرة كالولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وألمانيا، واليابان، ويلات حروب هالكة ومدمرة أودت بحياة الملايين وغرست تشاؤمًا حول مستقبل الإنسان، جسدته الروايات والمسرحيات والقصص والأفلام بمسحة خيبة ويأس، لكن الفعل الثقافي الذي أعاد تكوين الأجيال وبنائها من جديد على أسسه، أعاد بناء الإنسان وفق معايير تنتصر فيها الإنسانية وليس الحروب.

نعم، الاقتصاد والعمران والزراعة والصناعة، شديدة الأهمية في حياة الأمم، لكنها أمام بناء الإنسان لا تساوي الشيء الكثير.. لننظر إلى اليابان التي تلقت ضررًا كبيرًا كاد يبيد مدنها ومعالمها الحضارية الكبيرة؛ بسبب قنبلتي هيروشيما ونغازاكي الذريتين.. في زمن ليس بالكثير في حياة الأمم، أصبحت اليابان بلاد الرهانات الكبرى في الذكاء الاصطناعي، بل قاطرة قوية جرت وراءها جزءًا كبيرًا من آسيا.. فقد راهنت اليابان على الاستثمار في الإنسان وتثقيفه، وإعادة بنائه خارج منطق الانتقام والحروب، على قاعدة ثقافية صارمة في نقد الحرب والانتصار للحياة.. هذه النماذج تعطينا درسًا كبيرًا في الدور الحيوي للثقافة.

عربيًّا، على الرغم من محدودية الدعاية لثقافتنا العربية والتعريف بها، في أفقها الحي والإنساني من خلال الترجمات الجيدة، العربية والأجنبية، والطباعة خارج الدائرة العربية والدفاع عن الخصوصية الإنسانية لهذه الثقافة، أو حتى من خلال ما تقوم به الدياسبوراه العربية خارج الحدود، والتي تشكل حلقة وصل مع العالم، فقد استطاعت الثقافة العربية أن تخترق الحيطان الأشد سمكًا التي جعلت من العربي خطأ العصر، الذي إشاعته العنصرية المقيتة التي تهدف إلى الحط من قيمة كل ما لا يشبهها واختزلت الإسلام الحضاري في عصابات إرهابية لا رهان لها إلا التدمير الذاتي لكل ما بنته العبقرية العربية على مدار التاريخ، وما قدمته للإنسانية من معارف فلسفية وفنية وعلمية.. الثقافة تكسر هذا القدر المفروض، وتنشئ قدرًا أجمل وأفضل وأكثر ديمومة وإنسانية.. نحن نصل اليوم إلى العالمية عبر قنوات الثقافة فقط، بينما ما زلنا متأخرين في الجوانب الصناعية وتابعين.. لهذا تشكل الثقافة رهانًا عظيمًا لا يمكن الاستغناء عنه لأنه شريان الحياة الحالية والقادمة، لتغيير الصور الجاهزة عن العربي الذي ليس إرهابيًّا مضادًّا للمعرفة والنور، وليس كائنًا متوحشًا، ولكنه إنسان ثقافي، أي الإنسان الذي يقاوم هذه الكليشيهات المسبقة؛ من أجل عالم بلا قسوة، عالم الحب والعلوم، والفنون وتصنيع الذائقة الثقافية المفتوحة على الحياة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store