خرج الغرب بعد الحرب العالمية الثانية مثقلاً بأعباء وأوزار متعدّدة، منها ما عرف بقضية الهولوكوست، وأراد هذا الغرب أن يزيح عن كاهله شيئًا من هذه الأوزار، بحيث يتخلّص من بقايا اليهودية، وأي دين توحيد كبقية الأديان، وهو أمر لا يختلف حوله الناس. وكانت منطقة الشرق الأوسط؛ ومنها أرض فلسطين، العربية والمسلمة، ترزح تحت ما عرف بمسمى «الانتداب»؛ إنجليزيًا أو فرنسيًا أو إيطاليًا. وتفتقت العقلية البريطانية، المعروفة بدهائها وحنكتها السياسية، عن سبيل للخروج من العبء اليهودي، ولذلك جذوره في بعض أوجه الديانة المسيحية، فكان ولادة ما سمّي بـ»وعد بلفور» في عام 1917م. وبلفور هذا كان آنذاك وزيرًا للخارجية في حكومة ائتلافية بزعامة حزب الأحرار. ولعل هذا الوعد، هو ما عبّد الطريق أمام بلفور ليصبح فيما بعد رئيسًا للوزراء في حكومة يقودها «المحافظون»، وأدرك بلفور، كما أدركت معه الحركة الصهيونية، أن أقصر الطرق لتحقيق هذا الوعد هو المنابر الإعلامية والفكرية، ومهّد بلفور أيضًا لقاءً بين وايزمان؛ الشخصية اليهودية الباحثة عن وطن، مع مستر أسكود؛ محرر صحيفة المانشستر غارديان، وأعجب أسكود بشخصية وايزمان، الذي رفض كل جوائز المؤسسات الغربية والإنجليزية، ليحصرها في مطلب واحد وهو قيام كيان يهودي مستقل، وحدث ذلك في الوقت الذي كان فيه العرب يلملمون جراحاتهم من جرّاء الحكم التركي بداية، والاستعماري الغربي تاليًا، ولم يكن لديهم ما لدى اليهود من مواهب وأدوات لاختراق المجتمعات الغربية؛ ولهذا كان وما زال جوهر الصراع بين الصهيونية والفلسطينيين هو صراع حضاري. ولعلي كتبت في مقالة سابقة أن هزيمة 1967م كانت وليدة التخلّف الحضاري العربي، ولا زلنا نعاني من الفجوة بين المجتمع الصهيوني، الذي سعى للإفادة من مكتسبات الحضارة الغربية دون أن يفقد هويته الدينية والثقافية، والمجتمع العربي الذي لا يزال يعاني من هذه الفجوة الحضارية حتى وقتنا الحاضر.
في العام 1948م أعلن اليهود قيام كيانهم الغاصب في أرض فلسطين العربية المسلمة، وكانت وسيلتهم الأكثر قوة ومضاء هي سفك الدماء، وترويع الآمنين، فكانت البداية من مذبحة كفر قاسم، ثم مذبحة دير ياسين، وقبية، وغيرها من المذابح التي اتسمت بالوحشية المجافية لأي روح إنسانية. بل قامت بعض الأجنحة والتيارات المتطرفة في إسرائيل بتوجيه رسائل للغرب مفادها أن هذا العنف ليس بعيدًا من مرماها إذا ما حاولت أو سعت لتأخير الانسحاب البريطاني من أرض فلسطين، فكانت مذبحة فندق الملك داوود بالقدس، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من الشخصيات الإنجليزية؛ العسكرية والمدنية.
وحمل حزب العمّال البريطاني آنذاك، بزعامة رئيس الوزراء «أتيلي» [1945 – 1951م]، عبء قيام هذا الكيان وتوطيد أركانه، فكان الخاسر الأكبر هم العرب، الذين للأسف الشديد يجب الاعتراف بأن أدواتهم التي دخلوا بها جميع الحروب، كانت صدئة، وغير فعّالة، فهم لا يملكون مؤسسات فكرية وسياسية تستطيع استيعاب التاريخ وحركته، وقراءة الحاضر ومتغيراته، واستشراف المستقبل بتوقعاته، بما يمكنهم من وضع سياسات محددة، واستراتيجيات قابلة للتحقق ورسم ملامح المواجهة ومتطلباتها وإعداد الأدوات اللازمة لها، كل ذلك افتقده العرب بشكل مؤسف، على عكس ما كان عليه الجانب اليهودي من استعداد وتهيؤ للمتغيرات، وتحديد لمواقيت الصراع وأدواته، بما جعل إسرائيل دائمًا متقدمة على العرب بخطوات بعيدة، آخذة عنصر المبادرة بالفعل، تاركة للعرب جميعًا مساحة التحرك في خانة رد الفعل فقط، بما أضعف مواقفهم طوال الحقب الماضية.
واليوم تمر الذكرى الحادية والسبعون لقيام هذا الكيان العنصري، في الوقت الذي تخلصت فيه شعوب الأرض جميعًا من الإرث العنصري البغيض، واحتفل اليهود بهذه الذكرى، وربما معهم الإنجليز للأسف الشديد وهم يتحملون المسؤولية التاريخية والمعنوية عن مأساة الشعب الفلسطيني الأعزل، فكان الأجدر بهم أن يأخذوا بآراء الشخصيات السياسية المعتدلة، التي حلّت في مواقع سياسية متعددة في الحكومات البريطانية المتعاقبة؛ مثل وزير الخارجية العمّالي «بيفن»، ووزير الخارجية المحافظ «كارلنغتون»، ووزراء خارجية حكومة الظل العمّال؛ مثل: هيلي، وريفيكند، وكوفمان، فهؤلاء وأمثالهم أدركوا الخطأ الجسيم الذي اقترفته بريطانيا بتسليم أرض فلسطين للعصابات اليهودية والصهيونية المتطرفة، وتركوا العرب يحملون أمتعتهم فوق ظهورهم ويذهبون إلى الشتات. وعلى الفلسطينيين أن يتحملوا جزءاً من المسؤولية؛ فهم بانقسامهم المستمر أضعفوا القضية، وقللوا من فرص التعاطف معهم على المستوى الدولي. وإذا كانوا يريدون الإمساك بزمام الطريق إلى دولة مستقلة؛ فعليهم التوجه إلى الشعوب الغربية، والمؤسسات الفكرية والثقافية المستقلة فيها، كما شاهدنا في المظاهرة التي جابت شوارع لندن قبل أيام، معلنة تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وفيهم الآلاف من الإنجليز، بالإضافة إلى أعراق أخرى. كما أن على العرب والفلسطينيين أن يقدموا نموذجًا حيًّا وديمقراطيًا في أرض فلسطين، وعلى إخوتهم العرب أن يمدوا لهم يد العون والمساعدة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
الإنجليز والمسؤولية التاريخية عن شتات الشعب الفلسطيني
تاريخ النشر: 14 مايو 2019 01:00 KSA
رؤية فكرية
A A


