Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
واسيني الأعرج

أدب ما بعد اليأس؟

A A
هل اليأس قيمة سلبية، أم أنه رؤية درامية للأشياء، ولكن حقيقية؟ يمكن أن ينشأ شيء آخر، ما بعد اليأس المر؟ ربما كل سؤال كتاباتنا يرتكز هنا تحديدًا.. في هذه النقطة التي لا أحد غير الكاتب يستطيع التوغل في أعماقها.. على مدار سنوات كتابتي للروايات التاريخية التي تمس عن قرب الشأن الفلسطيني والعربي: سوناتا لأشباح القدس، كريماتوريوم، رماد الشرق بمجلديها الكبيرين، والعربي الأخير، وحتى رواية مي/ ليالي إيزيس كوبيا، شيء واحد ظل يشغلني: كيف أستمر في الكتابة بلا يأس.. كان ذلك الأمر بالنسبة لي رهانا كبيرا.. لم يكن في نيتي الاستسلام للهزيمة، العكس هو الصحيح، لكن كان من الصعب عليّ أيضًا تفادي عاصفة الخوف الحاملة في أثرها لكل تاريخنا الرث وغير النقدي، الذي حولناه إلى انتصارات، ونسينا أن الآخر العدو، يضحك، بل يسخر من قصورنا وجهلنا.. كل يوم كنا ننزل تحت الحد الأدنى ونمنحه المزيد من الأسلحة لدفننا تحت التراب لدرجة أننا أصبحنا نقبل أي شيء، حتى الحلول التي تسرق منا أراضينا وتحولنا إلى رق.. كل ما يحدث أمام أعيننا ويذبحنا من الرقبة، تجليات لمرض عميق، ليست فيه فلسطين إلا أداة لاختبار فداحة ما حصل ويحصل، وما سيحصل.. بقدر ما يكون العرب في قوة، تكون فلسطين قوية، وبقدر ما يكونون في حالة الضعف والانهيار، تتبدى فلسطين كأنها سبارطا المسكينة، المنكسرة بعد حرب طروادة المدمرة، في أقصى حالات التفكك.. بعد حصار العشر سنوات، لا تدري هلينا الجميلة من سيكون منقذها، من سارقها (باريس) من زوجها مينيلاس؟ وماذا سيفعل أخيل الذي جاء لينقذها.. لم تكن لدى باريس القوة لمجابهة غريمه بالخصوص بعد مقتل هكتور، إلا الحيلة والحيلة دائمًا، للدفاع عن المرأة التي رافقته في رحلته حتى وجد المقتل في كعب أخيل.. أي حيلة نملك نحن اليوم للخروج من يأس بدأ يتحول إلى نمط حياة، نقبل به وكأنه المنتهى.. منذ ذلك الزمن والعرب يعيدون إنتاج نفس الخطوط العريضة للهزيمة.

كل كتابة روائية تحديدًا، هي عودة لهذه اللحظة الفلسطينية الأولى التي ستصنع كل ما سيأتي لاحقًا.. الذي ينتصر تتفتح شهيته على انتصارات أخرى، بالخصوص إذا كان الذي يواجهك كيان اسمه إسرائيل، كوّن دولة من عدم، وعلى أنقاض دولة كانت قائمة..

والذي ينهزم لا حل ثالث له، إما أن يعيد قراءة تاريخه بشكل نقدي صحيح، أو يستسلم لقدر الهزائم المتتالية، حتى ما يسميه انتصارًا، نتائجه النهائية لم تكن كذلك، حرب أكتوبر 73 مثلا.. الأهم هو الحفر في اللحظة المؤسسة للهزيمة لتجاوزها وتخطيها.. فقد كان ميدان هذه الحرب في روايتي: سوناتا لأشباح القدس ورماد الشرق، بلاد الشام، وفلسطين تحديدًا، واشتركت فيها كل القوى العربية في المشرق العربي التي كانت تحت المظلة العثمانية.

كيف يمكن رسم المشهد الدرامي القاسي الذي حولته الهزائم المتكررة إلى قدر ملعون؟ الحروب الأولى اعتمدت على المتطوعين في غياب جيوش نظامية حقيقية، وكأنها نزهة.. تقابلها المليشيات الصهيونية المدربة، والمسلحة بأحدث الأسلحة البريطانية الفتاكة، والمكونة من المجموعات التي سمحت لها الحرب العالمية الثانية بأن تخرج قوية من تجربتها: البلماخ والإرجون والهاجاناه والشتيرن.. الجهة الصهيونية أخذت موضوعة الحرب بجدية لأن المسألة بالنسبة لها كانت وجودية، وهذا يحتاج إلى تجنيد كل الطاقات الحية لضمان الانتصار.. نتردد في قول هذا، لكنه الحقيقة المرة.. لا حرب حقيقية خارج النظام والدراسة والتحليل.. ولا يأس في عالم عربي كل ما فيه يدعو إلى اليأس، اليأس المر الذي يعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store