أواصل الحديث عن شخصية المرأة المسلمة التي تجاهلها معدو المنهج أو يجهلونها، فإضافة إلى ما ورد ذكره في الحلقة الماضية روايتها للحديث وممارستها الفتوى، وتوليها الحسبة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (الشفاء من بني عدي)، وأيضًا نظارة وقفه (حفصة بنت عمر رضي الله عنهما)، توليها الحكم في بعض الولايات الإسلامية في بعض العصور، وتلقيها العلم من العلماء وإجازتها لبعضهم وتعليمها لهم، ونبوغها في علوم الفقه والحديث والطب والفلك والرياضيات وعلوم الفضاء، إضافة إلى ما قدّمته من إسهامات، وما حقّقته من إنجازات في بناء الدولة الإسلامية وحضارتها ونهضتها العلمية.

وممَّا يميز المرأة المسلمة في العهدين النَّبوي والرَّاشدي إسهامها في بناء الدولة الإسلامية، ومشاركتها في الحياة العامة، وممارستها روايتها للحديث لمختلف المهن وتمسكها بما أعطاها الإسلام من حقوق، وعدم تفريطها فيها، ولعل موقف الفتاة التي زوَّجها أبوها من ابن أخيه ليرفع به من خسيسته دون علمها، وذهابها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإخباره كيف تجاوز أبوها حدود قوامته عليها وتعدى على حق شرعي منحه لها الإسلام، يبين لنا ملامح هذه الشخصية، وكذلك موقف أم هانئ رضي الله عنها عندما أراد أخوها علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه التعدي على حق شرعي لها، فرغم عظم مكانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم شكته إليه دفاعاً عن حق لها، ولم تتنازل عنه.

أمّا عن حديث «إنّ المرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا» يعني زانية، فهو حديث:

1- يُخالف قوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[الأعراف:31]، فالخطاب هنا لبني آدم يشمل الذكور والإناث، والطيب من الزينة، فكيف يُباح للرجال ويُحرّم على النساء، وإن كان الهدف من التحريم ما ذكره معدو المنهج، فما ينطبق على النساء ينطبق على الذكور أيضًا!

2- يناقض ما أخرجه أبو داود في سننه: حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني(ثقة)، حدثنا أبو أسامة (حماد بن أسامة، ثقة ثبت) قال أخبرني عمر بن ‏سويد الثقفي (جيد) قال حدثتني عائشة بنت طلحة (ثقة حُجة) أن عائشة أم المؤمنين ‏رضي الله عنها حدثتها قالت: «كنا نخرج مع النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ إلى مكة، فنضمد جباهنا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عند ‏الإحرام. فإذا‏ عرقت إحدانا، سال على وجهها. فيراه النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ فلا ينهاها»‏[صحيح سنن أبي داود: كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم حديث رقم( 1615) (2166].

ولستُ أدري لماذا خطابنا الديني المفسّر من قبل البشر مصرٌ على تحريم الطيب على المرأة، وقصره على الرجل، والحكم عليها أن تسير ورائحة عرقها تؤذيها، وتؤذي من يسير أو يجلس بقربها، وفي صفوف المصليات في المساجد، وفي نفس الوقت إباحته فقط للرجال في كل الأوقات؟

وعند حديثهم عن أضرار الاختلاط، قالوا:» ممّا سبق عرفنا تميز المرأة في الإسلام بشخصيتها التي أرادها الله لها، ولذلك ما إن تختل هذه الشخصية إلّا وتقع أضرار ومفاسد كبرى، ومن أهم الوسائل المؤدية لاختلال هذه الشخصية اختلاط المرأة بالرجل الأجنبي عنها- أي غير محرمها- اختلاطًا يكون فيه خلوة بينهما من غير محرم معها، وهذا الاختلاط وقعت فيه المرأة في كثير من البلاد في الشرق والغرب، فتعرّضت للفساد، وامتهن عرضها، ثمّ استعرضوا أضرار ما أسموه بِـ» الاختلاط المحرّم»[ص142-143]

نجدهم خلطوا بين خلوة المرأة برجل أجنبي عنها المُحرّمة وبين الاختلاط المباح الذي هو من الطبائع البشرية والفطرة الإنسانية، فأنت لا تستطيع أن تفصل بين الذكور والإناث في الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، وفي أداء جميع مناسك الحج، كما لا تستطيع الفصل بينهم في الأسواق، والأماكن العامة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُحرِّم لقاء الرجال بالنساء، ولا دخول الرجال بيوت الغائبين (المسافرين)، وإنَّما أكَّد على تحريم الخلوة بالمرأة من غير المحرم التي غاب زوجها عن بيتها، وظلَّت الإباحة للقاء، فقال:» لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلاَّ ومعه رجل أو رجلان»، فأكد على تحريم الخلوة، وأبقى أصل إباحـة اللقاء، فوضع الضابط دون أن يمنع.

وقوله صلى الله عليه وسلم:»لا يخلون رجل بامرأة إلاّ مع ذي محرم» يشير إلى جواز لقاء المرأة بالرجل الأجنبي عنها في حضور محرم لها، أو عدد من الرجال.

وهناك آيات قرآنية تجيز مشاركة النساء الرجال في المجالس والمنتديات العلمية مثل آيتي المباهلة والمداينة.