Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
واسيني الأعرج

في الاستبداد اللغوي..!

A A
حدث هذا في عمق اللغة الإسبانية، حينما أبطلت لغة شعبية بسيطة ولكنها عامة، مفعول لغة رسمية، أو قللت من استبدادها.. ما قام به ميغيل سيرفانتس كان كبيرًا.. فقد استطاع أن يحافظ على المزاج الشعبي العام للمجتمع الإسباني المتدين جدًا، والمرتعب من محاكم التفتيش المقدس، بواسطة اللغة التي يفهمها الشعب ويصوغ فيها وجدانه اليومي.. فقد رفض أن يستعمل في كتاباته لغة لا تفيد مطلقًا، ومعزولة عن سياقها المجتمعي.. اعتمد في كتاباته لغة شعبية، قشتالية، تبدو أحيانًا ضعيفة في صورها وشعريتها بالقياس إلى اللغة الرسمية، اللغة المستبدة.

النص الذي أنجزه شعبي في جوهره، فاختار له لغته المناسبة.. حتى قيم الكرامة والصدق والشجاعة، وبالخصوص قيمة الحب التي دافع عنها سيرفانتيس باستماتة، لا تنشأ إلا داخل اللغة التي تقطع مع اللغة االمتسيّدة، لغة الاستبداد الفروسي، والقوة واليقيني، والوثوقي المطلق.. فقد خاض حربًا ضد هذا المجتمع الكاذب، واختار أن يقلبه على رأسه ويسخر منه كأنه هرم مقلوب.. دون كيخوتي فارس لكنه فارس يسير بحصان مضحك.. يبدو رجلا على حافة الجنون، يحارب طواحين الهواء، ويظن أنه في خضم عصره وفي كبريات معارك الشرف.. هشاشته ولغته العميقة هما سلاحه الكبير.. الصور الحقيقية للمجتمعات، ليست ما نراه، ولكن بالضبط ما لا نراه.. المتخفي تحت المسبقات البائسة، دولثيني، حبيبة دون كيخوتي، التي تبدو لنا فلاحة عادية، ومضحكة في لباسها، وحتى خشونتها، التي تقترب من البلاهة، أحيانًا.. تعبير عم الحب في خامته العفوية الأولى.. الحب السخي الذي لا حساب له في النهاية إلا خير الإنسان.. لا يكفي أن يحب المرء في زمن أصبح فيه كل شيء سلعة للمقايضة، ولكن أن يتعلم أيضًا كيف يدافع عن حبه والانتصار للقيم الإنسانية التي تسنده.. بفتح النار على اللغة المستبدة، حقق سيرفانتس ما لم يحققه غيره على الصعيد اللساني.. كتابته باللغة الشعبية كانت نقلة نوعية.. فقد هز يقين البلاغة المتسيدة والفارغة داخليًا، المنحصرة في التعبيرات الجاهزة التي لا حياة فيها ولا غنى.. قد يبدو هذا الجهد اللساني عبثيًا لأن اللغة القشتالية الشعبية لا يمكنها أن ترتقي باتجاه اللغة العالمة؟ كيف لها أن تعبر عن جوهر مجتمع في تحولاته العميقة؟ طبعا الكلام غير صحيح.. فقد اختارها الكاتب لأنها وسيلته لضرب الثابت وزعزته لأنه مبني على الضعف غير المرئي.. فهي تعبير عن العمق الإسباني والإنساني الكبير في ظل لغة مستبدة تقول الرسمي والإداري واليقيني.. اللغة هي العصب الأساسي الذي ترتسم فيه الصور المختلفة بظاهرها أو بمتخفيها..

عندما ترجم فياردو، هذه الرواية إلى الفرنسية أول مرة، كانت الفكرة بسيطة، كيف يجر اللغة الشعبية التي تنقص من رواية عظيمة؟ باتجاه لغة كبيرة ترتقي مع النص، لغة عالمة؟ اللغة المستبدة.. فقد افترض لغة راقية لكاتب كبير، ويجب تفادي اللغة الشعبية في الترجمة وإلا يتنزل قيمة النص.. لكن بعد عشرات السنين، جاءت الزميلة في جامعة السوربون الثالثة، آلين شولمان لتعيد للنص بهاءه الشعبي، فترجمته في لغته الشعبية الأصيلة، اللغة القشتالية التي كتب بها سيرفانتيس، غير تلك اللغة العالمة التي مرت عبرها الترجمات وسرقت من النص جوهره الذي كتب من أجله أساسًا.. وفرضت المترجمة ألين شولمان هذه الرؤية الشعبية على ناشرها الذي خاف في البداية من الترجمة الجديدة.. الذي حصل في النهاية، هو أن هذه الترجمة انتشرت بسرعة في الأوساط الثقافية.. وصرح كبار المختصين في سيرفانتس أنهم وجدوا أخيرًا كاتبهم الشعبي الذي جعل من لغة الكتابة رهانًا وجوديًا كبيرًا لزحزحة سلطان اللغة المستبدة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store