بيّنتُ في الحلقة الماضية أنَّ القول بالنسخ في القرآن الكريم من أخطر المنافذ التي يحاول مخططو الإلحاد والإرهاب أن ينفذوا منها للإيقاع بشبابنا، لأنّه يلغي أزلية حفظه في اللوح المحفوظ، مع أنّه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم؛ إذ وقع بعض المفسّرين في خطأ فهم قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة: 106)، دفعهم إلى إيجاد ما يُسمَّى بالناسخ والمنسوخ في القرآن، فقد حصروا فهمهم للآية على النسخ في القرآن، وفاتهم أنَّ المقصود شريعة موسى عليه السلام، بنسخ آيات منها طبق الأصل، أو إنساءها بخير منها، ومن الآيات التي في شريعة موسى عليه السلام، ونُسخت مثلها طبق الأصل في شريعة الرسالة المحمدية توضيحًا لقوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...) (المائدة: 45).

نلاحظ أنّ الشريعة الخاتمة جنحت إلى التخفيف في عقوبة القتل الخطأ، فجعلتها في أدنى درجاتها صيام شهرين متتاليين لمن لم يستطع الدية، بينما كانت في شريعة موسى عليه السلام تصل إلى النفي لإحدى ثلاث مدن بعينها، وهذا يأخذنا قياسًا إلى قلع العين وكسر السن المتعمّد وعقوبته المثل قصاصًا كما في الآية، أما القلع والكسر الخطأ فبدفع مرتكبه تعويضًا ماديًا في الشريعة الخاتمة، يتضح هذا من قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) (الإسراء: 33)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ..) (النساء:92).

أمّا قوله: (نأت بخير منها أو مثلها) يوضحه (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) (الأنعام: 152)، فنسختها آيات خير منها في شريعة الرسالة المحمدية: (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى..) (النساء: 2، 3)، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء:10).. والإنساء بخير منها لما جاء في شريعة موسى عليه السلام السابقة لشريعة الرسالة المحمدية الخاتمة للشرائع والأديان، وليس لما جاء في الشريعة الخاتمة، فالهدف من الإنساء التدرج في التشريع طبقًا للتطور الفكري والحضاري الإنسانيْين، وهذا يتطلب أزمنة طويلة، والقرآن نزل في 23 عامًا، وهذا الزمن لا يحتاج إلى الإنساء، حيثُ لم يحدث فيه تطورًا وتغيرًا مثلما حدث بين زمني موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ إذ يبلغ الفارق الزمني بينهما حوالي (2300 سنة)، وقد جعل الله شريعة الرسالة المحمدية هي الخاتمة لشرائعه وأديانه ، وجعلها مرنة صالحة لكل سكان الأرض في كل الأزمان، وقد حوى النسخ في شريعة موسى كل الحالات الممكنة على سلم التطور التاريخي إلغاءً ومماثلة وتعديلًا وإضافة، والآية المنساة هي حكم عند موسى نسخ بحكم خير منه في القرآن الكريم استعمل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام مثل رجم الزانية، وتغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وكل حكم استعمله النبي في حياته وهو في كتاب موسى جاء خير منه في القرآن، فهو من الأحكام المنساة، والأنساء تاريخي بحت، وهو بمثابة الأحكام الانتقالية طبقًا لمفهومنا المعاصر، وهذا الفهم هو الذي ينطبق على قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).

ومن الآيات التي في شريعة موسى، ونُسخت مثلها طبق الأصل في شريعة الرسالة المحمدية قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).

ولكن في درس النسخ المقرر في مادة التفسير للمرحلة الثانوية للعام الدراسي الحالي 2018/2019 في الصفحات (32-35) نجد معدو المنهج قد قرّروا أن آية (106) من سورة البقرة من أدلة النسخ للقرآن الكريم، وذكروا أمورًا عجيبة عن النسخ لم أقرأها في كتب الناسخ والمنسوخ!

للحديث صلة.