توقّفتُ في الحلقة الماضية عند ما ورد في درس النسخ المُقرَّر في مادة التفسير للمرحلة الثانوية للعام الدراسي الحالي 2018/2019 في الصفحات (32-35)، حيث ورد الآتي: «إنّ النسخ يكون في الأحكام الشرعية، ولا يقع في العقيدة ولا في الأخبار، وأنّه قليل في آيات محدودة».

وهذان قولان منافيان لما هو وارد في كُتب الناسخ والمنسوخ، فما أسموها بآية السيف: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، هناك من يقول: إنّ عدد الآيات التي نسختها (124)، بينما يقول آخرون (114)، وأنّها نسخت كل موادعة في القرآن، وجميع الآيات التي تنظم تعاملنا مع مَن يُقاتلوننا، ومَن بيننا وبينهم عهود ومواثيق، وكذلك آيات الحرية في الدين والعقيدة، والتسامح والتعايش مع ذوي الأديان والملل المختلفة، وجميع الآيات الآمرة بالصبر والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن الآيات المتعلقة بالحرية الدينية التي يزعمون نسخها بآية السيف: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم)، (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل)، (فاعبدوا ما شئتم من دونه)، (لا إكراه في الدين)، وتكملة الآية: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)، فهل (لا إكراه في الدين) هو الذي نُسخ، وباقي الآية محكم؟، أم جميعها نُسخ؟، ومن أين علموا بذلك؟، من أخبرهم، ولا يوجد نص عن الرسول الكريم يُشير إلى ذلك؟، (ومن كفر فلا يحزنك كفره)، نسخ معناها لا لفظها بآية السيف وباقي الآية محكم، (فاعبدوا ما شئتم من دونه).

(وَأَنْ أَتْلُوَا ٱلْقُرْءَانَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ)، نسخ معناها لا لفظها بآية السيف وباقيها محكم، ما هو دليلهم على ذلك؟ لا دليل لديهم، مجرد أقوال مرسلة يتناقلونها، لا أدلة عليها، حيث لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم. وفيما يتعلق بنسخ آيات محاورة أهل الملل والأديان الأخرى، والصبر عليهم، منها: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، نسختها آية السيف، وقيل بل آية القتال: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ)، ويقول القرطبي في تفسيرها: «هي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجى إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة».. لاحظوا المسمى آية السيف، وآية القتال، جعلوهما لغة الحوار مع الآخر أيًا كان، حتى لو كان يشهد بالشهادتيْن، وخالفهم الرأي.

كما أنّ هذا يُبيّن لنا أنّ القول بالناسخ والمنسوخ ظني، وليس يقينيا، بدليل الخلاف حوله؛ إذ لا توجد أحاديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- المُبلِّغ عن الوحي تُبيّن الناسخ والمنسوخ، والقرآن يقيني، فكيف يُحكم عليه بالظنِّي؟، وكيف يُعتَبَر الناسخ والمنسوخ عِلمًا، وهو ظنِّي، وقد اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة، فمِنهم مَن قال إنّ عدد الآيات المنسوخة (293) آية، ومنهم قال (247)، ومنهم من قال (218)، ومنهم قال (214)، ومنهم قال (213)، ومنهم قال (210)، ومنهم قال (200) وبعضهم قال (134)، وغيرهم قال (66)، وهناك من قال (22)، وغيرهم قال (20).

وهكذا نجد أنّ ما ورد في درس النسخ في القرآن خلاف ما هو وارد في كتب الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم.. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا في هذا التوقيت بالذات يُقرَّر درس النسخ في مناهجنا؟.. يقول الدكتور أحمد السقا حجازي في كتابه: «لا نسخ في القرآن الكريم»: (إنّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا، هو «المحكم»، وأنّ كل ما بين دفَّتي المصحف هو القرآن الذي نزل به الوحي على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأنّ القرآن نسخ الأحكام العملية الواردة في التوراة، والهدف من نزوله التخفيف عن الناس وأنّ اليهود كانوا وراء اختلاق الحكايات الخاصة بالنسخ).