بيّنتُ في الحلقة الماضية، كيف أورد مُعدّو منهج التفسير للصف الثالث ثانوي للعام الدراسي الحالي حديثًا موضوعًا منسوبًا للسيدة عائشة رضي الله عنها، عن نسخ آية عشر رضعات بخمس، وأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام توفي، وهي في القرآن، ولم يكتفِ مُعدّو المنهج بهذا؛ إذ نجدهم يُوردون حديثًا موضوعًا منسوبًا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمَّا سُمّيت بآية الرجم، رواه مسلم في باب رجم الثيب في الزنى، حديث رقم 1691، والحديث هو: «حدّثني أبوالطاهر وحرملة بن يحيى قالا حدَّثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أنّه سمع عبدالله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام إن الله قد بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف وحدثناه أبوبكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي عمر قالوا حدَّثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد.. وهذا الحديث موضوع من الإسرائيليات، فهو:

1- يخالف قوله تعالى: (فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أنّ العذاب في الآية هو المذكور في سورة النور: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).

2- قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) لم يُحدِّد محصّنيْن، أو غير محصنّيْن، فجاءت على العموم دونما تخصيص، ولو كان المقصود غير المحصّنين لبيّنت الآية ذلك.

3- قوله تعالى في الآية التي بعدها: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، فهذا يعني أنّهما لم يُرجما، وإنّما جُلدا بدليل بقائهما على قيد الحياة.

4- قوله تعالى في سورة النور: (والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، فالعذاب في قوله تعالى: (ويدرأُ عنها العذاب) هو الجلد المذكور في الآية (2) من نفس السورة، والذي قال جل شأنه عنه: (وليَشْهَدْ عذَابَهُما طائِفَةٌ من المُؤْمِنين).

5- عبّر القرآن الكريم عن حد الجلد في الزنا للمحصّنين بالعذاب في قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ).. والرجم لا يُضاعف.. وما رواه بعض المفسرين عن قتادة يضاعف لها العذاب ضعفين «عذاب الدنيا وعذاب الآخرة» لا يتفق مع جميع آيات الأجر والثواب في الآخرة الواردة في القرآن الكريم،

ولا مع الآية التي بعدها، وهي: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً)، فهل يعني هذا أنّ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن يُؤجرن في الدنيا والآخرة إن أحسنّ، وباقي المؤمنين نساءً ورجالًا لا يُؤجرون على إحسانهم إلّا في الدنيا؟.. إن كان الأمر كذلك، فلا يعمل أحد من أجل نيل الأجر في الآخرة، إن كان أجر الآخرة قاصرًا على أمهات المؤمنين فقط!

6- ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبدالله بن أوفى أنّه سُئِلَ عن الرجم. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: «لا أدرى». فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التي نسختها.

7- ثمّ إنّ الحديث الذي اعتمدوا عليه -كما قال الإمام محمد أبوزهرة-، وقالوا: إنّه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقى حكمه، أمرٌ لا يُقرّه العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟، وما قيل: إنّه كان في صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق».

للحديث صلة.