المعايير السياسية، بل والأخلاقية، تبدَّلت، فبعد أن كانت هناك معايير وقواعد للتصرُّف فيما بين الدول وداخل الدول، تداخلت الأمور، وأصبح الجميع يلعبون بوسائل بدائية، مستخدمين (الفهلوة)، مصحوبة باستعراض العضلات، زائداً الشتائم لدفع الآخر عن الانتقاد أو الاعتراض. وغلب أسلوب أولاد الشوارع في التعامل السياسي بعد أن تخلَّى الساسة، الغوغائيون، عن القِيَم والأخلاق والمثل، التي كان مَن سبقهم إلى كراسي الحكم يعطون الانطباع بأنهم يلتزمون بها، حتى وإن كانوا لا يُطبّقونها.
وفي منطقتنا الكثير من هؤلاء. وأشعر بالرثاء لحال تركيا، وهي تحت قيادة تتاجر باللاجئين السوريين علناً، مستخدمة أعدادهم الكبيرة لتهديد أوربا بإطلاقهم باتجاهها إن لم يصمتوا عن عدوانها على سوريا، رغماً عن أن الأوربيين يدفعون بلايين الدولارات للقيادة التركية للاعتناء بهؤلاء اللاجئين، إلى أن يتمكنوا من العودة إلى بلادهم. وتنطلق الجحافل العسكرية والمرتزقة من المقاتلين لمحاربة الأكراد السوريين في عقر دارهم وترحيلهم منها لدفع اللاجئين السوريين في تركيا لاحتلال هذه الأراضي، وخلق مشكلة جديدة للاجىء السوري وصاحب الأرض الكردي والدولة السورية، وتنفيذ مخطط تصفية عنصرية. ومن المؤسف أن يتحوَّل الحزب الحاكم في تركيا عن المسيرة التي بدأها عندما تولَّى الحُكم، بحثاً عن حلول لعشرات الملايين من المواطنين الأكراد، وذلك بعد أن استفرد رجب طيب أردوغان بالحزب والحكم، وتخلَّص من المعتدلين في الحزب والدولة، وانطلق في نفس المسيرة التي طبَّقها العسكر قبل تولِّيه الحكم، وهي قهر الإرادة الكردية بكل الوسائل العسكرية والمعنوية.
إنه تصرُّف بلطجي. وللإحاطة، فإن معنى وصف (البلطجة) حسب ما ذكرته (ويكيبيديا): «هو نوع من النشاط الإجرامي يقوم مَن يُمارسه بفرض السيطرة على فرد أو مجموعة، وإرهابهم وتخويفهم بالقوة والاعتداء عليهم.. والبلطجة هي لفظة دارجة يعود أصلها إلى اللغة التركية، ويتكون من مقطعين «بلطة» و»جي»، أي حامل البلطة». ولا تقتصر البلطجة على القيادة التركية الحالية فحسب، بل تعلَّم الإيرانيون نفس اللعبة السيئة، وأطلقوا فرقاً من مرتزقتهم إلى دول المنطقة، بدايةً من لبنان والعراق، إلى اليمن وسوريا، وباكستان وأفغانستان... وغيرها.
ومن الواضح أن البلطجة الإيرانية أصبحت جزءاً من سياسة الحرس الثوري الإيراني، الذي أقام مراكز تدريب وتأهيل لمرتزقة من كل الجنسيات والمذاهب، بل نجد حركة الإخوان المسلمين التي تدَّعي أن مذهبها سُنِّي، وأنها لا تقبل أن تكون جزءاً من الحركة الشيعية السياسية، تستسلم لمغريات النظام الإيراني المالية، وتلعب لعبة (التقية) التي يتقنها ملالي الشيعة، ودفعت بأتباعها الفلسطينيين فـي قطاع غزة، (حركة حماس)، ليكونوا إحدى أدوات التخريب والبلطجة، لا في فلسطين فحسب، بل في مساحات عربية أخرى، بما في ذلك منطقة سيناء، حيث تكاثرت العمليات الإرهابية فيها منذ أن أسقط المصريون نظام الإخوان المسلمين في القاهرة.
وتطورت حركة (الحوثيين) في اليمن من مجرد نشاط قبلي في جزء صغير من اليمن إلى حركة بلطجة واسعة شملت اليمن، تحت رعاية ووصاية ودعم مادي وعسكري ومعنوي من البلطجة الإيرانية التي يتولَّى جزءاً منها الحرسُ الثوري الإيراني، ويتولى الباقي ملالي إيران بقياداتهم الإرهابية المتعددة. وتحوَّلت لبنان إلى مركز رئيسي للبلطجة الإيرانية، التي تقوم حركة حزب الله بإدارتها ورعايتها مستعينة بالعديد من المغرر بهم من أبناء الطائفة الشيعية، وجزء من السياسيين المسيحيين الطامعين في البقاء على رأس النظام اللبناني الحاكم، والذين أخذوا مؤخراً تنفيذ برنامج البلطجة الخاص بهم.
إنه فعلاً عهد البلطجة.. الذي انتشر في منطقتنا، ويبدو أنه يكاد أن يُصيب بالشر مناطق أخرى من العالم، حيث نجح أصحاب البلطجة في الوصول إلى مراكز صناعة القرار في العديد من دول العالم.. إلا أنه في كل الأحوال، سيكون قصيراً، ولن يكتب له عمر طويل.


