أشكر من الأعماق دارة الملك عبدالعزيز على الجهود التي بذلتها في إعداد مناهج الدراسات الاجتماعية والمواطنة للمراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وقد ذكرت جريدة الرياض في 9 أكتوبر 2019 أنّه أُجريت دراسات علمية على مناهج الدراسات الاجتماعية والمواطنة للعام الدراسي الحالي، فتبيّن أنّها رفعت نسبة معايير المواطنة من 5% في المناهج القديمة إلى 60% في المناهج الجديدة، ونحن نطمح إلى أن ترتفع إلى 100% ، وأن تكون متناغمة مع رفع نسبة معايير الانتماء للعروبة والإسلام، ولا يتحقق هذا -في رأيي- إلّا بإيجاد توازن في المادة التاريخية المقدّمة مع التدقيق في أبعاد ودلالات المصطلحات التاريخية الواردة في المناهج، وباعتباري مؤرخة متخصصة في التاريخ، أستأذن معدِّي تلك المناهج في إبداء ما لديَّ من ملاحظات على ما صدر في الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 1441هـ/ 2019-2020م، وما ورد فيها من مصطلحات تتناقض مع هدف تنمية الانتماء للإسلام والوطن والعروبة في عقول وقلوب وأحاسيس أولادنا وبناتنا، وسأبدأ بِـ:

أولًا: إطلاق مصطلح «الدراسات الاجتماعية» على علوم التاريخ والجغرافيا والتخطيط في مناهج المرحلتيْن الابتدائية والمتوسطة، وإطلاق «دراسات نفسية واجتماعية» على علمي النفس والاجتماع، في مناهج أولى ثانوي، فهذه كلها علوم وليست دراسات، فكيف يُطلق على العلوم التي لها أقسام في الكليات في جامعات العالم للتخصص في علم منها والحصول على بكالوريوس، وأقسام للدراسات العليا لهذه العلوم للحصول على الماجستير والدكتوراة، فالدراسات ممكن عملها على تلك العلوم، ولكن لا يمكن تحويل العلوم إلى دراسات.

ثانيَا: إنّ لاستخدام هذا المصطلح على علمي التاريخ والجغرافيا دلالات خطيرة خاصة في هذه الفترة التي تعلو فيها الأصوات للمطالبة بإغلاق أقسام التاريخ والجغرافيا من كلياتنا، فهو يُقلِّل من قيمتهما في أذهان أولادنا وبناتنا باعتبارهما مجرد دراسات ليس لهما ثقل.

ثالثًا: لقد ناقض معدو المنهج أنفسهم بإطلاقهم مصطلح العلوم الاجتماعية على التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والحكومة، بينما نجدهم أطلقوا على التاريخ والجغرافيا في المنهج الدراسي للمرحلتيْن الابتدائية والمتوسطة مصطلح «الدراسات الاجتماعية»، وضمّوا إلى منهجي التاريخ والجغرافيا للسنتين الأولى والثانية متوسط؛ التخطيط والحوار الوطني.

رابعًا: اقتصر منهج التاريخ لرابع ابتدائي على التعريف بالعلوم الاجتماعية (التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والحكومة)، ولم يضم إليها علوم التخطيط والنفس والاجتماع، في حين يوجد في أولى ثانوي مقرر دراسات نفسية واجتماعية تشمل علم النفس وعلم الاجتماع، وفُصل التاريخ والجغرافيا عن هذه المجموعة، كل منهما في منهج مستقل، مع أنَّ التاريخ والجغرافيا كانا يُدرَّسان في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة تحت مسمى «الدراسات الاجتماعية والمواطنة»، فهذا يُحدث ربكة في أذهان أولادنا؛ إذ درسوا على مدى ست سنوات (من رابع ابتدائي إلى ثالث متوسط) التاريخ والجغرافيا تحت مسمى الدراسات الاجتماعية، وفجأة في سنة أولى ثانوي أصبحت الدراسات الاجتماعية (علم الاجتماع)، والتاريخ والجغرافيا سمّيا باسمهما كمادتيْن منفصلتيْن.

خامسًا: جاء في التعريف بكتاب الدراسات الاجتماعية والمواطنة لأولى متوسط تعريف التاريخ بأنّه «دراسة الماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل»، (ص:17)، ولخّصه بأنّه «أحداث وشخصيات»، (ص:15)، بينما عُرِّف التاريخ في منهج الدراسات الاجتماعية لسادس ابتدائي هذا العام بأنه «التاريخ التوثيقي لأحداث الإنسان والمكان في زمن معين بوصفه علمًا له أصوله وأدواته في الكتابة والتحقق والمصادر والتحليل والاستنتاج»، (ص 14)، أمّا تعريفه في أولى متوسط، بأنّه «العلم الذي يدرس الوقائع وأوقاتها، وقد اعتنى المسلمون به لارتباطه بغزوات الرسول عليه الصلاة والسلام والفتوحات التي قام بها الخلفاء الراشدون»، (ص31). بينما عرّفه معدّو المنهج في تاريخ أولى ثانوي/ ف1 لعام 1441هـ «علم التاريخ أحد فروع الدراسات الاجتماعية الذي يُعنى بدراسة الماضي البشري، فالمؤرخون يعنون بدراسة المصادر التاريخية لاستخراج الحوادث الماضية منها»، (ص 13).

بالمقارنة بين التعريفات الثلاثة نلاحظ الآتي: في التعريف الأوّل تمّ تعريف التاريخ بدراسة الماضي.. بينما في التعريفين الثاني والثالث اعتبروه علمًا، فلم يثبت معدو المنهج على تحديد ماهية التاريخ، هل هو علم أم دراسات اجتماعية، ونجدهم حصروه بدراسة الماضي، والسؤال هنا: مَنْ سَجَّل الماضي؟، وكيف سُجِّل ليدرسه المؤرخون، هل سجَّل الماضي نفسه بنفسه؟ ومن يُسجِّل الحاضر ليدرسه المؤرخون اللاحقون؟، وهل دور المؤرخ يقتصر على دراسة الماضي، أم عليه أيضًا رصد وتوثيق وتسجيل ما يُعاصره من أحداثٍ على اختلافها بكل أنواعها، والتي ستصبح تاريخًا بانقضائها؟.

للحديث صلة.