Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

صبرًا جميلاً آل عطّار

رؤية فكرية

A A
في خميسية عزيزنا الأستاذ الأديب محمّد عمر العامودي (أبوعلاء)، تعرّفت على الصفوة من رجال العلم والفكر والأدب، وكان في مقدّمتهم رجال ثلاثة من آل عطّار، والمنحدرين في جذورهم من البلد الحرام، وإن لم تَخُنِّ الذاكرة؛ فإنّ منازلهم كانت تطلّ على الكعبة المشرّفة، حيث الداودية، والتي كانت مسكنًا للعديد من العلماء والعارفين بالله، من أمثال شيخنا الزّاهد وعالم اللغة والنّحو، أعني فضيلة السيّد محمّد أمين كتبي الحسني، الذي كانت حياته مثالاً للعالم الذي يتغرّب بعبادته بعيدًا عن أعين الآخرين، وكان ينحو منحاه فضيلة شيخنا حسن المشّاط، رحمه الله، فلقد كانا يطوفان بالبيت الحرام في الهزيع الأخير من الليل، ثم يعودان إلى منازلهم ليتهيئا لأداء صلاة الفجر مع عامة المعتمرين والزّائرين والطائفين.

وكان الشيخ سراج عطّار، الأكبر سنًّا في أسرة العطّار، وكان أحد المرجعيات في شؤون وشجون شتى. وكان يتعهّد أصحاب الحاجات بالعطاء بعيدًا عن أعين الآخرين. وأتذكّر أنّني كنتُ بصحبة عزيزنا «أبوعلاء» نقف في (المعلاة والحجون)، على مقربة من دار البلى والمصير الذي لا يستطيع أحد أن يتجاوزه، وكان شيخنا سراج محاطًا ببعض أبنائه، وأردتُ أن أفشي سرًّا عن أعماله المباركة، فأشار إليَّ أن أصمت؛ فتحوّلتُ إلى حديثٍ آخر، وعلمت أنّ هذا الرّجل يدعوه صديقنا الأستاذ أحمد فتيحي، بالذاكر، حتى وهو في سفره خارج الوطن، وذلك يعني أنّ متاع الدنيا الزائل لا يصرفه عمّا أخذ به نفسه من ضروب العبادة الخالصة لوجه الله الكريم.

وفي السنوات الأخيرة تعرّفت على أخيه معالي الدكتور عبدالوهّاب عطّار، والذي أُسندت إليه وزارة التخطيط بعد المرحوم هشام ناظر، كما شغل منصب المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة بجنيف، فأبلى بلاءً حسنًا في كلِّ المناصب التي حلّ فيها؛ خدمةً للدين والمليك والوطن. وتنبئ الابتسامة الدائمة على محيّاه عن بساطته، وقربه من الآخرين، وإذا ما حضر إلى الخميسية؛ فإنّه يطرق موضوعات تتصل بالفكر والأدب أكثر من الموضوعات التي يشغف بها الآخرون؛ وأعني موضوعات السياسة، التي أضحت حديثًا وملاذًا ليس فقط لمن يعرفون أسرارها؛ بل أيضًا أولئك الذين يمكن القول بأنهم متطفّلون على موائدها، وتلك لعمري معضلة كبرى في هذا الزّمن، الذي أضحى يدّعى فيه العلم أحدهم، وهو لا يتجاوز فيما يدعيه ما هو مبثوث على شبكات الاتصال والفيس بوك.

عزيزنا «عبدالوهّاب».. أنت صاحب قلب مطمئن، وراضٍ بقضاء الله وقدره عزّ وجلّ؛ فلقد فقدت قرّة عينك، وفلذة كبدك، وحبّة فؤادك، فلن يلومك أحد على حُزن متبطن أعماق نفسك المؤمنة، ولكنّه القضاء والقدر، أو كما قال بعض العارفين بالله في دعائهم: «يا من في البر والبحر سبيله، يا من في الآفاق آياته، يا من في الممات قدرته، يا من في القبور قضاؤه، يا من في القيامة مملكته، يا من في الحساب هيبته، يا من في الميزان عدله، يا من في الجهاد عنايته، سبحانك لا إله إلا أنت، الغوث الغوث، خلّصنا من النّار يا ربّ العالمين».. كم تركوا لنا من الذكر الذي يناجي به العابدون خالقهم في دجى الليل: «يا أقرب من كل قريب، يا أحبّ من كل حبيب، يا أعظم من كلّ عظيم، يا أجل من كل جليل، يا أعز من كل عزيز، يا أقوى من كل قوي، يا أغنى من كل غني، يا أعلى من كل عليًّ، يا أجود من كل جواد، سبحانك لا إله أنت.. الغوث الغوث، خلّصنا من النار يا رب».. وشملتهم أنوار ذاته الأزلية، فذهبوا يهتفون في سرّهم وعلانيتهم من دعاء خالص، وهو مقام التسليم بقضائه، فتركوا لنا ما نهرع إليه من دعاءٍ وتبتّل، فقالوا: «يا غالبًا غير مغلوب، يا صانعًا غير مصنوع، يا خالقًا غير مخلوق، يا مالكًا غير مملوك، يا قاهرًا غير مقهور، يا حافظًا غير محفوظ، يا ناصرًا غير منصور، يا شاهدًا غير مشهود، يا قريبًا غير بعيد؛ سبحانك لا إله أنت.. الغوث الغوث، خلّصنا من النار يا رب».

أخي عبدالوهّاب.. وأنت المكّيُّ، الذي وصفت بعض الكتابات شمائله؛ فقال قائلهم: «المكّيُّ أوّاب بفطرته».. نعم؛ لك في سيرة الحبيب المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، أسوة سنة، عندما فقد ابنه إبراهيم، ووقف على قبره في بقيع الغرقد مناجيًا منازل الصحابة وآل البيت رضوان الله عليهم أجمعين: «إنّ القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك لمحزنون».. فأسأل الله العليَّ القدير أن يعوّضك أنت ووالدته الصّابرة والمحتسبة وإخوته وأبناءه وأمّ أبنائه خيرًا، وأن ينزل عليكم من السكينة والطمأنينة والسلوى ما يُثبِّت به الأفئدة، ويُذهب به الحزن.. إنه على كلّ شيء قدير. وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store