أواصل الحديث عن تعريف التاريخ في مناهجنا الدراسية للعام الدراسي الحالي، بقصره على دراسة الماضي، وهذا يُخالف التفسير الإسلامي للتاريخ، الذي يقوم على التصوُّر الإسلامي للخالق جلَّ شأنه، وللإنسان وللكون، وللحياة وللزمان، والأحداث. ونظرته للزمان هو ماضِ وحاضر ومستقبل. والزمان الماضي في نظر الإسلام غير ضائع، وسوف يُحاسب عليه الإنسان، يقول تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، ومن هنا ارتبط مفهوم الماضي عند المسلمين بالإيمان وبالمسؤولية التي ألقاها الله تعالى على كاهلهم بعد أن زوّدهم بالإحساس والإدراك بشريعته السماوية على أيدي رسله، كما أنّ الزمن الماضي بالنسبة للمسلم، مصدر العِبرة والعِظة من تواريخ الأولين.

أمَّا الزمن الحاضر فهو مرحلة يتحرَّك فيه الإنسان نحو المستقبل على هدي من أحداث الماضي، وهي مرحلة العمل وتعمير الأرض تحقيقًا لأمانة الاستخلاف المنوطة بالإنسان. وفي هذه المرحلة تتحدَّد خُطَى المستقبل، ويعظم الثواب والجزاء. أمَّا الزمان المستقبل في مفهوم الإسلام هو يوم القيامة الذي تتحدَّد فيه المصائر، وتكتسب من خلاله أعمال البشر سمة الخلود، ويكون هذا دافعًا للأفراد والشعوب على العمل على إرضاء الله للفوز بالجنة.

والأحداث في مفهوم الإسلام هي من صنع الإنسان وفق مشيئة الله جلَّ شأنه، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ لنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).. وقد عبَّر القرآن الكريم عن حركة التاريخ «بالسنن»، وهكذا نجد أنَّ المفهوم الإسلامي للزمان والأحداث تتمثَّل فيهما نظرة الإسلام للخالق جلَّ شأنه وللإنسان وللكون، وللحياة، فالله هو الخالق (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).. وهو (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ).. كل ما في الكون يسير وفق مشيئته وإرادته (َليْس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).. الإنسان خُلِق لعبادته تعالى، ولعمارة الأرض، فهو مسؤولٌ عن عمله وسيُحاسب عليه، وعليه أن يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، وأنّ الدار الآخرة خير وأبقى، وأنّ كل ما في الكون مُسخَّر للإنسان لتحقيق الغاية العليا من خلقه، وهي عبادة الله، (وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون)، وهذا خلاف لمزاعم القائلين بأنّ اكتشاف القوانين العلمية يُغني عن الإيمان بالله، وكذلك ما يزعم «ماركس» وغيره من الماديين من أنّ المادة هي أصل الوجود، وكل ما عداها انعكاس لها، ومن ثمَّ الإيمان بحتمية التاريخ، وهي أنَّ كل خطوة تؤدي حتمًا إلى الخطوة الموالية بطريقة حتمية، وبالتالي فإنَّ المجتمع يتبع عجلة التاريخ، ولكن لا يوجهها.

خصائص منهج التفسير الإسلامي للتاريخ، أُلخِّص أهمها في الآتي: -1- أنّه يفرد للبعد الغيبي (ماض وحاضر ومستقبل) مساحات واسعة يجعله أحد شروط الإيمان. -2- ليست الأحداث التاريخية في القصص القرآني متسلسلة الحلقات في السرد، وذلك لأنَّ التاريخ فيه لم يُقصَد لذاته، وإنما لاستخلاص العبرة منه. -3- الربط بين الدين وأحداث التاريخ في الأفراد والمجتمعات، ويتضح هذا من قصص فرعون، وأقوام نوح ولوط وعاد وثمود، وبني إسرائيل وغيرهم، وبيان ما حل بهذه الأقوام من عذاب في الدنيا لعدم إيمانها بالله وتكذيبها لرسله وأنبيائه. -4- ربط المعاملات بالعقيدة وتدخُّل الدين في الاقتصاد، وتوضح هذا قصة أصحاب الأيكة. -5- التاريخ في القرآن الكريم وحدة زمنية تتهاوى فيها الجدران التي تفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. -6- لا منافاة بين البحث عن السنن أو القوانين وبين الاعتقاد بخالقها. -7- عدم قبول الخبر إلاَّ بعد التثبت من صحته (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). -8- جعل القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرين أساسيين للكتابة التاريخية، ولتتبع حركة التاريخ منذ أن خلق الله الكون إلى أن تقوم الساعة.

وهكذا يتضح لنا أنّ قصر مُعدِّي مناهج الدراسات الاجتماعية والتاريخ على أنّه دراسة الماضي مُخالِف للتفسير الإسلامي للتاريخ الذي يعتبر الزمن الحاضر مرحلة يتحرَّك فيه نحو المستقبل على هدي من أحداث الماضي، والأحداث في مفهوم الإسلام من صنع الإنسان وفق مشيئة الله جلَّ شأنه.

وهكذا نجد أن التاريخ علم له منهجه وأسسه وقواعده، ونحن كمؤرخين مسلمين علينا الالتزام بالتفسير الإسلامي للتاريخ في الكتابة التاريخية المُستنبط من القرآن الكريم، وللأسف نجد بعض المؤرخين المسلمين أبعدوا البُعد الغيبي في كتاباتهم للسيرة النبوية، هذا وإن أصبح الغربيون يطلقون على التاريخ مصطلح «دراسات اجتماعية» فهذا شأنهم، وليس مطلوبا منا أن نتبعهم.