في تعريف أولى متوسط /ف1، ربط اهتمام المسلمين بالتاريخ بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفتوحات الخلفاء الراشدين، وسأتوقَّف هنا عند استخدام مصطلح غزوات على حروبه عليه الصلاة والسلام ضد مشركي مكة واليهود في المدينة المنورة وخيبر، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها مؤرخو السيرة النبوية، ومؤرخو التاريخ الإسلامي الأوائل والمعاصرين، وللأسف كرّره معدّو مناهج الدراسات التاريخية والمواطنة لهذا العام، ومعروف أنّ مصطلح «الغزو» في اللغة هو «غزا العدو: سار إلى محاربته وقتاله في دياره».

فحروبه عليه الصلاة والسلام كانت دفاعية وليست هجومية، لصد هجومهم في المدينة، أو لمنع هجومهم على المدينة، أو مكة بعد تحرّكهم إليها، ملتزمًا بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، فالدعوة للإسلام ليست بالقتال لنشره (لا إكراه في الدين)، وإنّما بالحكمة والموعظة الحسنة (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

فلو بحثنا في أسباب تلك الحروب، سنجد الآتي: -1- موقعة بدر قرب المدينة، ولم يخرج الرسول ومن معه من المسلمين لقتال قريش، وإنّما لاعتراض قافلة تجارية متوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبوسفيان بن حرب كانت قد سلبتها قريش من المسلمين عند هجرتهم، وقريش هي التي بدأت بالقتال، إذ قال أبوالبختري: والله لأردنّ حوض مياه محمد، ولأكسرنّ حوضهم. وفعلا اندفع يريد أن يهدم الحوض، فتلقاه حمزة بسيفه فقطع رجله، ثم انعقد سبب القتال بين الفريقين، فكيف يُطلق على معركة بدر «غزوة»؟. -2- موقعة أحد كانت عند جبل أحد في المدينة المنورة، فمُشركو مكة قدموا إلى المسلمين في عقر ديارهم لغزوهم، وليس الرسول ومن معه من المسلمين، فعلى أي أساس سُميت بـ»غزوة أحد»؟. -3- موقعة الخندق (الأحزاب) كانت خلف جبل سلع بالمدينة المنورة، فالغزاة هم مشركو مكة مع أحزابهم، الذين قدموا إلى المسلمين في عقر ديارهم، فعلى أي أساس أسموها بـ»غزوة الخندق (الأحزاب)»؟. -4- موقعة حُنيْن كانت دفاعية، فبعد أن فتح المسلمون مكة، خشيت قبائل ثقيف وهوازن من قوة المسلمين، وقرروا محاربة المسلمين وغزوهم في معقلهم مكة، فقرر النبي عليه الصلاة والسلام ملاقاتهم في موضع يُسمَّى حنين بين مكة والطائف. -5- موقعة الطائف: كانت لملاحقة فلول الهاربين من موقعة حنين، من مشركي هوازن وثقيف في الطائف. -6- موقعة بني المصطلق «المريسيع» كانت دفاعية؛ إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم استعداد قبيلة بني المصطلق للإغارة على المدينة، فانطلق إليهم لرد شرهم، قبل أن يهجموا على المدينة. -7- أمَّا صلح الحُديبية وفتح مكة، فلم يتم فيهما أي قتال، فعلى أي أساس اعتبرهما معدّو المناهج من غزواته عليه الصلاة والسلام؟. -8- أمّا عن إجلاء اليهود عن المدينة (بنو القينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة) فكانت لمخالفتهم للعهود والمواثيق التي كانت بينه وبينهم، ومحاولتهم اغتياله (بنو النضير) فأجلاهم الرسول بأمر من الله، والتحالف مع الأحزاب ومساعدتهم لدخولهم المدينة (بنو قريظة) ولم تكن حروبًا، وإنّما كانت عبارة عن فرض حصار عليهم، لإجلائهم عن المدينة، وكذلك موقعة «خيبر» كانت دفاعية، فخيبر كانت وكر الدس والتآمر، ومركز إثارة الحروب، فأهل خيبر هم الذين حزّبوا الأحزاب ضد المسلمين، وحرّضوا بني قريظة على الغدر والخيانة، والاتصال بالمنافقين وبغطفان وأعراب البادية، وكانوا هم أنفسهم يستعدون لقتال المسلمين، فكان لابد من مجابهتهم، ولم يتطرق معدو المناهج إلى إجلاء الرسول لليهود من المدينة وأسبابها، فهذه حقائق تاريخية لابد من ذكرها، والتي تكشف تزييف المستشرقين للتاريخ بنفيهم نقض اليهود للعهود التي بينهم وبين الرسول.

وهكذا نجد أنّ كل الحروب التي وقعت في العهد النبوي كانت دفاعية، وليست هجومية، ولا علاقة لها بهدف نشر الإسلام، وتسميتها بـ»غزوات»، مغالطة تاريخية كبرى، وتُسيء للإسلام بتعزيزها لمزاعم المستشرقين بأنّ الإسلام انتشر بحد السيف، وللأسف هناك من المسلمين مَنْ يتمسكون بهذا المصطلح تأييدًا لدعواهم في وجوب قتال العالم لفرض الإسلام؛ حيث يزعمون أنّ الرسول في أكثر حروبه كان هو البادئ بالهجوم لنشر الإسلام، مع أنّه أقر بالحرية الدينية لغير المسلمين في المدينة في وثيقة المدينة، وانتشر الإسلام في المدينة بهجرته إليها وليس بقتاله لأهلها، وكذلك انتشر الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية بعد فتح مكة دون قتال.