ورد في منهج الدراسات الاجتماعية والمواطنة لسادس ابتدائي للعام الدراسي 1441هـ مصطلح «حروب المرتدين»، وإطلاق هذا المصطلح على محاربة سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- للذين امتنعوا عن دفع الزكاة التي كانوا يدفعونها في العهد النبوي، فهي بمثابة إعلان العصيان المدني على الدولة؛ فكان لابد من قتالهم لئلا يمتد هذا العصيان إلى مناطق أخرى، فمحاربته لهم لم تكن لارتدادهم عن الإسلام، ولكن لامتناعهم عن دفع الزكاة بدليل قول الصديق للفاروق -رضي الله عنهما- الذي كان لا يرى محاربتهم: «والله لو منعوني عقالًا كان يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم على منعه»، ومن أخطاء المؤرخين تسميتهم لها بحروب المرتدين، وكان الأجدر تسميتها حروب المتمرِّدين، لأنّه لا يوجد نص في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة ما يُوجب قتل المرتد عن الإسلام، وإن قال بعض العلماء بوجوب قتله بعد الاستتابة أو بدونها لا يُعتد به لمخالفته للقرآن الكريم، وهو المصدر الأول للتشريع؛ إذ لم ترد فيه عقوبة دنيوية، بل توجد آيات تؤكد على عدم قتل المرتد، منها قوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّمْ يَكُنْ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً).. هذه الآية تُبيِّن أنّه مهما كفر الإنسان لا عقاب دنيوي عليه، وإلا لكان مناسبًا في هذه الآية ذكر حكم الردّة أكثر من غيرها، لأنّ هناك ردّة متكررة، فإن كان حكم الردّة القتل، لقُتل من أول ردّة، ولكن تكرّرت الردّة، فهذا يعني أن لا عُقوبة قتْل للمرتد، ولكن النص القرآني عاقبهم بعدم مغفرة الله وعدم هدايته لهم، وقد دلَّت الآية على أنّ الإنسان قد يؤمن ثم يكفر ثم يؤمن وهكذا، ولو كان هناك حد ردّة لما حصل الكفر ثم الإيمان أكثر من مرة، لأنّه سيعدم الكافر في أول ردّة له.

(يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لّهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ).. وهذه الآية تُبيِّن أنّ جزاء المرتد يكون من عند الله في الدنيا والآخرة، وليس بيد بشر عقاب المرتد. وعذاب الله في الدنيا للمرتد يُبيِّن أنّه لا وجود لحكم ردّة، وإلا لو تم إعدام كل مرتد بعد ثلاثة أيام، كيف سيُعذّبه الله في الدنيا، كما ذكرت الآية.

(وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).. هذه الآية تُبيِّن أنّ الذي يرتد عن الإسلام عقابه في الآخرة، وليس في الدنيا، خصوصًا وأنّ الآية اشترطت للعقاب الأخروي أن يموت وهو كافر، والحكمة من ذلك أنّ الله ترك باب التوبة مفتوحاً مدى الحياة، فقد تتغير قناعة الإنسان في أي وقت، بينما واضعو الأحاديث حدَّدوا مدة التوبة بأيامٍ معدودة، مناقضين ما ورد في الآية السابقة.

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ).. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).. (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا).. (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنّما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل).

فعلى أي أساس بنى بعض الفقهاء حُكمهم بقتل المرتد، ولم ترد آية قرآنية تنص على ذلك؟، وكيف يترك معدّو المناهج كلام الخالق، ويأخذون بكلام المخلوق؟!.

للحديث صلة.