Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

لماذا «هندسة الوعي»!؟

A A
لأن «العقل كالمعدة، المهم ما تهضمه لا ما تبتلعه» كما يقول «كونفوشيوس» الفيلسوف الصيني فإن الوعي يعتمد تماماً على ما سيهضمه «العقل» لإنتاج سلوك الفرد وأخلاقياته وقيمه الثقافية تحقيقاً لأهدافه الوطنية والإنسانية؛ ولهذا دائماً ما أدعو إلى أهمية هندسة الوعي بالتدقيق فيما يتم تقديمه ضمن الخطاب العام إعلامياً وثقافياً لمخاطبة الوعي معنوياً وروحياً؛ فالعشوائية الثقافية والإعلامية لن تفرز سوى وعي عشوائي فوضوي يعاني من المشاكل والخلل؛ فيما هندسة الخطاب المغذي للوعي كفيل بتمكينه من خدمة المجتمع على اعتبار الفرد الواعي عاملاً أساسياً في بناء الحضارة لأي مجتمع إنساني يسعى إلى التطور والتقدم ضمن المنظومة الاجتماعية، والوعي السليم يُبنى بخطاب ثقافي أخلاقي سليم يعين على حرث أرض خصبة تعتمد قوانين التعايش مع الذات والآخر والبيئة في الوعي العام، وهذا ليس ترفاً إنما مطلب أمني حضاري وتحقيق لجودة الحياة التي تهدف لها رؤية 2030 السعودية ويقودها الملهم القدوة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وفقه الله.

والسؤال هنا: هل يحتاج «الوعي» إلى هندسة!؟

قبل الإجابة، علينا معرفة ماذا تعني «هندسة» أولاً ؟! إنها: علم رياضي يبحث في الخطوط والأبعاد والسطوح والزوايا والكميات أو المقادير المادية من حيث خواصها وقياسها أو تقويمها وعلاقة بعضها ببعض لبناء الأشياء وتنظيمها وتقويمها بشكل يضمن تحققها على السلامة والاستدامة، والوعي جزء لا يتجزأ من محيط الكون ويحتاج إلى هندسة مثله مثل مجالات عدة، فهناك الهندسة الكهربائية، والهندسة الحربية، والهندسة المعدنية، والهندسة الكيماوية، والهندسة المعمارية، وهندسة الطرق والجسور، والصحية، والزراعية إلخ ودون الهندسة لن تنهض هذه الأمور باتساق محققة أهدافها، واسمحوا لي إضافة «هندسة الوعي» في بناء إنسان مُتحضر يتعامل مع مجتمعه وقيمه الوطنية وقوانينه وأدواته المدنية بوعي أخلاقي ومسؤولية.

وإن من أهم مواد بناء الوعي هي القوة الناعمة «الروحية والمعنوية»؛ حيث تأتي عملية الهضم لما يتم هندسته ثقافياً من الفنون والآداب والتاريخ؛ وهذا ما فعلته أمريكا حين قررت أن «تُهندس» الوعي العالمي على تحقيق رؤيتها كقوة عظمى بعد أن فشلت عبر سلاحها العسكري؛ فاستبدلته بسلاح ناعم عبر ثقافتها ونجومها والاعلاميين وضختها عالمياً عبر «هوليود» سينمائياً يواكبه خطاب إعلامي متسق محققة بذلك محو جرائم الحروب من الذاكرة العالمية كتلك التي ارتكبتها في حق الهنود الحمر والفيتنام وهيروشيما والعراق وأفغانستان وغيرها؛ فالفن صناعة وليس إبداعاً فحسب، وصناعة الفن الدرامي لا تتم بعشوائية بل بهندسة واعية عبر قوالبها التي تعتبر أهم المؤثرات في بناء الوعي وتشكيله خلال عملية التطهر التي تحدث عنها أرسطو قبل أكثر من ألفي عام؛ فعملية الإيهام أو التوهم التي يمرّ بها المتلقي للدراما عبر أشكالها تجعل اللاوعي راضخاً لما يتلقاه بطريقة غير مباشرة؛ فأنت لا تحتاج في هذه القوة الناعمة إلى فرض أوامر ونواهٍ قد يرفضها العقل وتؤدي لتمرد الفرد، إنما ما عليك تقديمها في «حبكة فنية « بهندسة البنية الدرامية بجودة عالية، لترسيخ تلك الأوامر في وجدان المتلقي كي تصبح جزءاً من قناعاته؛ وهذا كفيل بتشكيل الوعي وتصحيحه سلوكياً وأخلاقياً أو تدميره وانحرافه.

لقد عبرت أمريكا القارات ورسخت ثقافتها حتى باتوا يعرفونها عبر «هوليود» ونجومها وإعلامييها أكثر مما يعرفون أوطانهم، ونجاحها تحقق عبر هندسة خطابها الثقافي الناعم بما يحقق طموحاتها واستراتيجيتها، فلا شيء يُمكن أن يكون صدفة أو ينهض على عبث دون هدف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store