لقد كان لي شرف المشاركة العملية في برنامج الدورة الحادية والأربعين لجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية. وقد اكتسبت هذه الجائزة سمعة عالمية، جعلت منها جائزة دولية ترقى إلى أعلى المراتب في الجوائز؛ وذلك بفضل جهود القائمين عليها، وأمانتها العامة، التي كان يتبوّأها الأستاذ الدكتور عبدالله العثيمين، رحمه الله، ثمّ حلّ مكانه، بعد رحيله، معالي الأستاذ الدكتور عبدالعزيز محمّد السبيّل.

وحسب ما لمست عن قرب عند حضوري لاجتماعات اللجان التحكيمية أن هناك شيئًا هامًا يميز هذه الاجتماعات؛ وهو أن أعضاء اللجان ينتمون إلى عدد من البلدان العربية والإسلامية، وأن الاجتماعات تجري في أجواء من الود والمحبّة وتقبّل الرأي الآخر.

ولقد كان موضوع الجائزة لهذه الدورة هو «تراث القدس الإسلامي»، واختيار هذا الموضوع يدلّ دلالة عميقة على أن هذه البلاد، التي تحتضن الحرمين الشريفين؛ البيت الحرام، ومثوى ومسجد سيدنا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لم تتخلَّ يومًا عن مدينة القدس المحتلة، وكان من شواهد ذلك أن القمّة العربية الأخيرة، التي عقدت في المملكة العربية السعودية، برعاية خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، كان موضوعها القدس الشريف. كما لا ننسى في هذا السياق مواقف ملوك هذه البلاد السابقين، وخصوصًا موقف الملك الشهيد؛ فيصل بن عبدالعزيز، طيّب الله ثراه، الذي تؤكّد المصادر الغربية على عدم تنازله عن الحقوق العربية في أرض فلسطين العربية المسلمة، ورفضه مبدأ التنازل رفضًا قاطعًا. وكثيرة هي المواقف التي تدلّ على هذا النهج، وهذه السياسة المتفقة مع موقع المملكة العربية السعودية، الديني والحضاري والفكري والثقافي.

ولقد كان الموضوع الذي فاز بالجائزة لهذا العام هو وثيقة مكّة، التي نصّت على تحريم دماء أهل القبلة، ووجوب احترام جميع الفئات والتيارات الدينية، ما دامت ملتزمة بالشهادتين، والإيمان بكتاب الله، وسنة نبيّه، صلّى الله عليه وسلّم.

وكما ذكر الزميل الدكتور السبيّل، أمين عام الجائزة، على أن وثيقة مكّة التاريخية، والتي صدرت قبل سنوات عدّة، مستمدة أصلاً من وثيقة المدينة التاريخية، والتي عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بعد الهجرة إلى المدينة المباركة، مع جميع فئات المجتمع في المدينة المنوّرة آنذاك، والتي تقوم على مبدأ المواطنة، وضرورة أن تأخذ كل الفئات جميع حقوقها، مع أداء ما عليها من واجبات، لذلك اعتبرها كثير من الباحثين والمفكرين على أنها أوّل وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ، وهو الأمر الذي أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة الحالي، أنطونيو غوتيريش، في كلمة له في إحدى المناسبات العالمية، مؤكدًا على ما جاء في تلك الوثيقة المباركة من بنود تؤكد نهج الإسلام في إشاعة السلام، وضمان حقوق المواطنين في دولته، بما ينفي عنه المزاعم المتأخرة بالنفي والإقصاء، التي ظلت العديد من الدوائر ذات الغرض، والساعية إلى تشويه الإسلام ورسالته، تروّج لها دون بينة أو حجة، مستندة في حملتها إلى مظاهر التطرف والغلو الذي أظهرته بعض جماعات الإسلام السياسي، وشوّهت به الوجه الحضاري لرسالة الإسلام النيّرة.

لقد تضمنت الكلمة الضافية لصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، رئيس مجلس إدارة الجائزة، والدكتور السبيّل، أمين عام الجائزة، إشارات إلى أن الجائزة خطَّت لنفسها منهجًا واضحًا، وهو البعد وعدم الخلط بين الإسلام والسياسة، والنأي عن الأدلجة وما يتصل بها من آراء ضارة ومفسدة، وأن الحيادية، والموضوعية هي المنهج الذي سارت عليه الجائزة، والسر في استمراريتها بنفس الوهج الذي بدأت به.

ولقد كان من بين الحائزين في الحقول العلمية المتخصّصة شخصيات من العالم الغربي، لم تقف جنسياتهم وأديانهم حائلاً بينهم وبين الحصول على الجائزة، طالما توفرت في أعمالهم الشروط الموضوعية المطلوبة، وهو الأمر الذي يؤكد عالمية الجائزة.

وفي ليلة الحفل الذي أقيم مساء الأربعاء الماضي، وأُعلن فيه أسماء الفائزين، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وأخيه صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، وغيرهما من أصحاب السمو والفضيلة والسعادة، كان الأمير خالد الفيصل كعادته ودوداً، حيث قام بتحية كافة الحاضرين للحفل، بما أشاع جوًّا من الطمأنينة والإيلاف. كما أن الأمين العام الزميل الدكتور عبد العزيز السبيّل كان كعادته، والتي ورثها من بيت والده؛ بيت العلم والفضل، حريصًا جزاه الله خيرًا على تعامل حضاري راقٍ مع جميع المشاركين في اللجان التحكيمية. كما أن العاملين حوله وفي مكتبه، يستحقون كلمة شكر صادقة.