مع تعدد العقبات التي تحول دون استيعاب الشباب السعودي في وظائف مناسبة، ومع التعنت الذي تبديه بعض الشركات في التمسك بشرط الخبرة للراغبين في العمل، ارتفعت أصوات عديدة تنادي باتباع أسلوب التدريب المنتهي بالتوظيف، كحل عملي وعصري يمكِّن الشباب من الحصول على فرص العمل التي تكفل لهم العيش الكريم، وفي ذات الوقت يضمن للشركات أن الموظف الذي أنفقت الأموال وبذلت الجهد لتدريبه قد أصبح بعد إكماله للدورات التدريبية مهيأ للعمل بها، بالمستوى الذي يضمن أداءه لعمله على الوجه الأكمل وفق المستوى الذي تشترطه، وأن الأموال التي أنفقتها لم تضِع سدىً.​

خلال الأسبوع الماضي ابتكرت شركة نيوم أسلوباً أكثر عصرية وملاءمة لواقعنا المحلي، عندما أعلنت عن إطلاق برنامج الابتعاث الداخلي المنتهي بالتوظيف للرجال والنساء، بالتعاون مع جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز، وإشراف مباشر من جامعة ايكول اوتيليري دو لوزان في سويسرا، وهي من أفضل وأعرق جامعات العالم المتخصصة في الضيافة. ويشتمل البرنامج على توفير منح دراسية لمئات الطلاب والطالبات من منطقتي تبوك ونيوم في تخصصات متعددة منها الفنادق، والمنتجعات، والمطاعم، وشركات الضيافة، والمراكز التجارية، والمستشفيات، والمقاهي، والمنتزهات الترفيهية، وغيرها.​

من أبرز إيجابيات البرنامج أن الدراسة سوف تكون في جامعة الأمير مقرن بالمدينة المنورة، على أن تشرف الجامعة السويسرية على البرنامج بالكامل، وهذه الخاصية إضافة إلى أنها تريح الطلاب والطالبات من مشقة السفر إلى الخارج، وتوفر الكثير من النفقات والمصروفات، فإنها تكسب جامعة الأمير مقرن خبرات نوعية تتيح لها القدرة مستقبلاً على إدارة مثل هذه البرامج الأكاديمية، كما أن اقتصار البرنامج على أبناء وبنات منطقتي تبوك ونيوم، يصب ضمن مفاهيم التنمية الريفية التي تعني منح مواطني المناطق المختلفة الأولوية في الاستفادة من المشاريع المقامة في مناطقهم، تطبيقاً لمبادئ العدالة المجتمعية.​

كذلك فإن الاشتراطات الواضحة التي وضعتها شركة نيوم بضرورة اجتياز البرنامج بنجاح لضمان الحصول على الوظيفة المناسبة تؤكد أن مجرد انخراط الطالب في الدراسة لا يعني بالضرورة توظيفه، ما لم يثبت أحقيته وكفاءته من خلال الاجتهاد الأكاديمي وتحصيل الدرجات المطلوبة، مما يعني بدوره أن البرنامج لن يكون مجرد نزهة. فالجميع يعلم أن نيوم مدينة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهي مخصصة لأهداف في غاية الأهمية، وتستضيف صفوة من المخترعين والعلماء ورجال الأعمال، لذلك فإن من يرغب العمل فيها، وتحقيق عائد مادي مرتفع لا بد أن يكون بمواصفات وقدرات نوعية.​

وحتى تعم الفائدة ويتحقق الهدف الأسمى الذي تسعى له القيادة الرشيدة بإحلال الشباب الوطني محل العمالة الوافدة، لتحقيق الأمن الاجتماعي، فإن هذه التجربة الرائدة لا ينبغي أن تقتصر على شركة نيوم، وهي دعوة للشركات الوطنية الكبرى التي دأبت على القيام بالكثير من المواقف الوطنية المشرقة، إيماناً بمبدأ المسؤولية الاجتماعية، لذلك فهي مطالبة بالانخراط في مثل هذه البرامج المبتكرة، لأن التنمية البشرية هدف رئيسي، يشترك في تحقيقه جميع أبناء هذه البلاد. ​

ورغم أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية بكافة أشكالها المعروفة، مثل دعم الفقراء والأرامل والأيتام، إلا أن الواقع الحالي الذي تعيشه بلادنا اليوم، وارتفاع نسبة البطالة إلى أرقام صادمة يحتم على الجميع التركيز على جانب أكثر أهمية وأشد إلحاحاً، ينبغي منحه الأولوية القصوى، وهو الإسهام في حل معضلة البطالة، والإسهام في توظيف الشباب، وإيجاد فرص العمل المناسبة لهم، والتي تعصمهم من الوقوع فرائس سهلة في فخاخ الإرهابيين وأرباب الفتن، أو الانحراف نحو إدمان المخدرات، أو غير ذلك من الانحرافات السلوكية والأخلاقية. فأبناؤنا أمانة في أعناقنا، ومجتمعنا بحمد الله من أكثر المجتمعات التي تمتاز بارتفاع نسبة الشباب وسط سكانه، والوطن الذي نتشرف كلنا بالانتماء إليه، ينتظر منا المشاركة في حل مشكلة شبابه، لأنهم أعز ما تمتلكه الأمم والشعوب.