مع التقدّم الطبّي الهائل في تقنية وأساليب التشخيص والتّداوي، لم تعد كثيرٌ من الأمراض مُستعصيةً على العلاج والتحكّم، كما صار الشفاء التام من بعض الأمراض هدفاً أساسياً لكثير من البحوث والآليات الطبية، وذلك يستدعي أن يستمر الأطباء والممارسون الصحّيون في تعلّم وسائل مُستجدة للتعامل مع المرض والمريض. ومع الضغوطات النفسية وسوء التنظيمات الإدارية، وتعرّض كثير من العاملين في الرّعاية الصحية إلى إساءة التعامل، وفي وسْط التعقيدات الطبية من إجراءاتٍ تشخيصية وعلاجية ومتابعة دورية، يُهمل عددٌ من طواقم الأطباء والتمريض بعضَ الحاجاتِ العاطفية للمرضى، واعتبار المريض مُجرّد «حالةٍ طبية» والتعامل معه بطريقةٍ جافة دون اعتباراتٍ إنسانية، مما قد يزيدُ من احتمال تعرّضه لخطأ التشخيص وتأخّر استجابته للعلاج، كما أظهرتْ بعض البُحوث.

وفي السّياق نفسه، أظهرتْ بحوثٌ أنّ مزيداً من التعاطف مع آلام ومشاعرِ المريض، وتفهّمِ حاجاته والتقرّب منه إنسانياً ومراعاةِ كرامته، والتعرّف على ظروفه المَرَضية الاجتماعية بصورةٍ أكثر رحمةً، والاهتمام به بوصفه مركز الرّعاية الصّحية، أمورٌ مُرتبطة بسرعةِ تعافيه والتئام جروحِه الجسدية، بل ويتعدّى أثرُ تلك التصرّفات الرّحيمة إلى مشاعر الطبيبِ نفسه، ويجعله أقلّ عُرضةً للاحتراق الوظيفي.

ومن أجل الحصول على النتيجة المطلوبة، يتعيـّن على الفريق الطبي المُتكامل المكوّن من أعضاء مُتخصّصين في مجالات طبيةٍ وصحيّة، التواصلُ بصورة دوريةٍ، ومراجعةُ مشكلاتِ وحاجاتِ المريض من نواحٍ مرَضية عضويةٍ، ونفسيةٍ روحية، واجتماعيةٍ، ودينيةٍ، ودوائية، وإظهارُ مستوياتٍ راقيةٍ من المشاركةِ الوجدانية والتواصلِ الإنساني معه، حيث تُظهر نتائجُ بعض البحوث، الأثر الإيجابي لحُسن التواصل مع الفريق الطبـّي المُعالج، في التزام المرضى بمتابعةِ خطّة العلاج ومواعيدِ العيادات الخارجية، وانخفاض كَلفة استخدامهم للرّعاية الطبّية بصورةٍ عامة.. لكن من النّاحية العمَلية، يبدو أن ما سبق لا يُمكن تطبيقه إلا بتضافرِ منظومةٍ كاملةٍ من الجهود الإدارية والطبّية والتمريضية والخِدْمات اللوجستية، والرّعاية الأوّلية والمنزلية والدوائية والاجتماعيةِ والتوعوية، والتركيزِ على الجوانب الإنسانيةِ النفسيةِ والحقوقية للمرضى وذويهم، دون إغفالِ حقوق من يرعاهُم في الأساس من الطّواقم الطبية والصحية، من بابِ أولى.