أواصل الحديث عن الخطأ الذي وقع فيه معدو مناهجنا في إعطاء معنى الجهاد في الإسلام نشر الإسلام بالقتال، وأنّ المعارك التي حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم، والفتوحات في عهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعبّاسيين كانت لنشر الإسلام ، وهذا مخالف لما جاء في القرآن (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، (لا إكراه في الدين) ومغاير للحقائق التاريخية، التي منها:

1. صحيفة المدينة وهي أول دستور مدني في تاريخ البشرية، كُتبت عند مقدمه عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بشقيها: الشق الخاص بموادعة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود، والثاني مع المهاجرين والأنصار، وتحديد التزاماتهم، وتنظيم العلاقات بين سكان المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود وغيرهم، ولم يفرض على غير المسلمين الإسلام.

2. المعارك التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم ضد المشركين كانت دفاعية وليست هجومية، أما إجلاؤه لليهود عن المدينة فكان ذلك لنقضهم صحيفة المدينة، ومحاولتهم قتله عليه الصلاة والسلام، وتحالفهم مع مشركي مكة في موقعة الأحزاب (الخندق) خلف جبل سلع في المدينة المنورة، أمّا موقعة خيبر، فكان يهود خيبر وكر المؤامرات والتحريض ضد الدولة الإسلامية، وكانوا يُعدُّون لقتال المسلمين في المدينة المنورة، أما موقعة تبوك، فكانت لمواجهة الروم الذين كانوا سيغزون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في عقر دارهم في المدينة بأربعين ألف مقاتل من الروم وعرب الغساسنة، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثون ألف مقاتل لملاقاتهم في تبوك ولكن لم يحدث صدام بينهم؛ إذ خشي الروم من المواجهة وتشتتوا وانفضّ عنهم أحلافهم الغساسنة وانضموا إلى المسلمين، ومع هذا نجد زعيم حزب التحرير أحد دعاة «دولة الخلافة» يزعم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي بدأ بالهجوم في تبوك، وهي لم تحدث معركة أصلًا!.

3. أمّا حروب الصدِّيق رضي الله عنه ضد المتمردين على الدولة بامتناعهم عن دفع الزكاة، ومُدّعي النبوة لإثارة الفتنة، وليس لارتدادهم عن الدين لأنّ القرآن الكريم لم ينص على أية عقوبة دنيوية للمرتد، فحسابه عند الله.

4. أمّا عن الفتوحات الإسلامية في العهود الراشدي والأموي والعباسي، فلم تكن غايتها فرض الإسلام، وإنّما كانت لحماية دولة الإسلام في الجزيرة العربية من الأخطار التي تهددها من الإمبراطوريتيْن الفارسية والبيزنطية، فقد أمّن الفاتحون المسلمون سكان البلاد المفتوحة على أديانهم وكنائسهم ومعابدهم وأموالهم، حتى اللغة العربية لم تُفرض عليهم بدليل لم يتم تعريب الدواوين إلّا في سنة 100هـ، أي بعدما تعلم سكان البلاد المفتوحة اللغة العربية نتيجة اختلاطهم بالقبائل العربية التي رافقت الجيوش الفاتحة، واستقرت في تلك البلاد واختلطت بسكانها، وتصاهرت معهم.

هذا وممّا يؤكد على أنّ الفتوحات الإسلامية كانت لحماية الدولة الإسلامية، وليس لنشر الإسلام بالقتال، انتشار الإسلام عن طريق التجار في كثير من البلاد وأصبح سكانها المسلمون يُساوون قرابة نصف العدد الإجمالي للمسلمين اليوم، ويتوزعون في ثلاث مناطق رئيسة في العالم.

وممّا لا يخفى على معدي المناهج وجود جماعات أطلقت على نفسها جماعات إسلامية، وكل جماعة منها تكفّر الأخرى، وتكفِّر الحكّام والمجتمعات، فأصبح المسلمون في نظر كل جماعة هم أتباعها فقط، ومن عداهم فهم كفار يجب قتالهم، حتى نجد أنّ بعض أولادنا ممن ضُلِّلوا بالانتماء لتلك الجماعات التي تقاتل في سوريا وجدوا أنفسهم يُقاتل بعضهم البعض لأنّ أمير جماعة كل فريق منهم يُكفّر الجماعات الأخرى، ويُبيح قتالها، والتمثيل بجثث القتلى، ونزع أكبادهم وأكلها، فأصبح مفهوم الجهاد في سبيل الله لدى هذه الجماعات -للأسف الشديد- هو قتال من يخالفهم الفكر في المجتمعات والجماعات الإسلامية لفرض فكرهم، ولو بحثنا عن أصل هذه الجماعات نجد معظمها متفرعاً من جماعة الإخوان الإرهابية، ويرجع وجود هذه الجماعات الدينية التكفيرية المتفرِّعة منها إلى التطرّف الديني الذي صحب ما عُرف بالصحوة الدينية التي انطلق رجالها يُصدرون فتاوى بغيرعلم، وفهم قاصر للنصوص القرآنية والحديثية الصحيحة يُكفِّرون المجتمعات والحكّام، من خلال اعتلائهم المنابر في المساجد ودروسهم الدينية التي سُجّلت في أشرطة كاسيت، وأصبحت تُباع في محلات الكاسيت واقتناها عدد كبير من شبابنا ذكورًا وإناثًا، وتبنّى كثير منهم ما فيها من فكر، وللأسف في بعض كتب التراث ما يُغذِّي الفكر التكفيري، الذي استغله أعداؤنا في التخطيط والتمويل لمحاربة المسلمين بعضهم البعض ليتم تقسيم الدول العربية إلى دويلات على أساس ديني ومذهبي وعرقي تتنازع فيما بينها لتظل إسرائيل الدولة الكبرى في المنطقة يسهل عليها السيطرة على تلك الدويلات، ونموذج داعش مثال على ذلك، فلابد من إعادة النظر في جميع مناهجنا الدراسية وتحريرها من هذا الفكر المتطرّف، وتنقيتها من المصطلحات التي تُروِّج له.