عبارة «خلك ذيب» لها من معناها نصيب فالسيرة الذاتية للذئب مشرفة في هذا الجانب، قد يكون بعض فقراتها لا تجده حتى عند الإنسان ومن ذلك الاهتمام بالوالدين فالحيوانات والإنسان يتشابهان في كثير من أمور الحياة مثل التزاوج (اللقاء الجنسي) حيث جعل الله لهما ذلك من أجل المحافظة على النسل، سواءً المحافظة على النسل البشري وفق نظام محدد تختلف طريقته بين شعوب الأرض والمحافظة على النسل الحيواني وفق طبيعة غريزية، وهناك صفات عضوية وسلوكية تجدها مشتركة بين الإنسان والحيوان وقد تكون أوضح عند الحيوان، من تلك الصفات السلوكية الوفاء عند الكلب، والشجاعة عند الأسد، وحدة النظر عند الصقر، والحب عند الحمام، وهكذا العديد من الصفات، لكن الله أكرم الإنسان وميزه عن الحيوانات بالعقل لذلك كان تكليفه بأمور شرعية التي من أعظمها وأهمها بر الوالدين التي جاء التنبيه عليه بعد قضية الشرك مباشرة في قوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً).. إن فِي الآية تفصيلاً دقيقاً في مسألة البر بالوالدين المفروض أن يدخل تلافيف وتموجات النفس البشرية ويستوقفها ألا تتمادى مع والديها حتى في أقل العبارات تأثيرًا وهي كلمة «أف» ولك أن تقارن بين مشهدين، مشهد الصراخ والزعيق ورفع الصوت وأحيانًا من المفرطين ببر والديهم مد اليد والتطاول بالتهديد والضرب، ومشهد آخر لابن أو بنت لا تكاد تسمع لهما همسًا بجوار والديهما وهما يتحدثان معهما بل الانصات وخفض الجناح والأدب الجم والرضوخ لأوامر الوالدين بل من الأبناء والبنات البارين من ينام عند أقدام آبائهم وأمهاتهم، يسهرون على راحتهم ويقومون بكل الواجبات نحوهم، وهذا المشهد الأخير هو من مشاهد الاهتمام عند الذئب، فعند صيده أي صيد لا يأكل حتى يقدم لوالديه شيئًا من الصيد، وعرف عنه حبه وقربه دائمًا من أبيه وأمه وعدم انشغاله عنهما، ولذلك كانت تقول العرب في البادية (خلك ذئب) وهي لفظة عادة ما يقولها أب لولده الذي يكون معه يريد منه أن يكون رجلاً كالذئب.
أقول هذا الكلام لسؤال سألني إياه زميل في الجامعة: هل الانشغال عن الوالدين في أعمال الحياة يعد من العقوق؟ قلت له متقمصًا شخصية الشيخ مبروك عندما رد على المتصلة به التي اسمها «زينبو» بقوله: (حرام ومائة حرام)، فأقول للزميل: إن الانشغال عن الوالدين بأي شيء حتى الجهاد في سبيل الله أمر ممقوت وذنب وإثم ومعصية لله ورسوله، وعندما أتى رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله أن يخرج ليقاتل في سبيل الله، قال له عليه السلام: (ألك والدان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) فالوالدان نسخة من التكوين البشري إن نفدت لا تعوض وكيان نفسي وروحي إن انتهى يصاب الأبناء والبنات بالضياع ومخزون طاعة يورث الأجر ومكنون من مكنونات الإجابة للدعاء إن غابوا غاب خير كثير ينزل للإنسان من السماء فمن عنده أم أو أب على قيد الحياة فليلزمهما..
أقول هذا وأنا على يقين أنه لن يحس بما أقول إلا من شارف عمره على الخمسين، أما ما قبل ذلك من عمر فلا يزال لاهياً في حياته الخاصة عنهما وليس مدركاً للقيمة الاعتبارية و»الذهبية» للوالدين فكن ذئبًا لا ينشغل عن والديه تكن سعيدًا في حياتك وبعد مماتك.


