كتب زميلنا الكريم الدكتور حمود أبوطالب مقالاً بجريدة عكاظ العدد رقم (19522)، تحت عنوان «المواجهة في واشنطن, والاحتفالية لدينا!»، وهو مقال ينمّ عن إلمام عميق بالسياسة الأمريكية وشؤونها، وهو ما نبحث عنه؛ وهو ضرورة وجود أقلام متخصصة في الشأن السياسي وسواه.
ومحور هذا المقال هو الصخب والضجيج في بعض قطاعات الفكر والرأي في العالم العربي، والتي حاولت المزايدة على الأمريكيين أنفسهم، على خلفية تبرئة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التهم التي وجهها إليه الديمقراطيون، في سياق محاكمة لم تخلُ من انتقاد جراء رفضها الاستماع لبعض الشهود، أو السماح لجهة الادعاء بطلب مزيد من المستندات والوثائق المعضدة لجوهر اتهاماتها لترامب، بما حوّل المحاكمة إلى ساحة للتنافس السياسي أكثر من كونها ساحة لطلب الحقيقة والعدل المطلق.
ونأخذ في الاعتبار أن بعضًا من المتحمسين من غير الأمريكيين لا يعرفون كيف تعمل المؤسسات الغربية وفق أسسها الخاصة بها، ويمكن القول إن هناك «أميّة سياسية» عانى العرب منها كثيرًا، منذ تخلُّص بلدانهم من ربقة الاستعمار، وبروز التيارات القومية والشيوعية، والتي كانت هي الأخرى تزايد على الاتحاد السوفيتي نفسه بشأن اعتناق هذه المبادئ الشيوعية بصورة غريبة.
ونتذكر كيف أن هذه الأحزاب، أو بعضًا منها قد اعترف بإسرائيل اقتداء بمصدر الفكر الشيوعي؛ وإن لم يطلب منهم أحد ذلك، مما مسخ هذه الأحزاب، وتلاشت مع الزمن، فلا يُسمع له صوت اليوم في الإطار السياسي الذي تعيشه البلاد العربية في حاضرها. بينما نجد أن الأحزاب الاشتراكية والعمّالية والشيوعية في العالم الغربي تتميز بالاستقلالية في الرؤية السياسية؛ فالحزب الشيوعي في بريطانيا نجده في الثمانينيات الميلادية ينتقد صراحة الغزو الشيوعي الروسي لأفغانستان، أما حزب العمّال البريطاني، الذي يقوم على ما يسمّى بـ»الاشتراكية الفابية» فهو في كل الأحداث يقدّم مصلحة بلاده على مصالح البلدان الأخرى؛ شيوعية كانت أم اشتراكية. بل إن حزب العمّال في أواخر السبعينيات الميلادية، وبكامل توجهاته يمينًا ويسارًا ووسطًا وقف في وجه المجموعة الشيوعية المنشقة عن الحزب، والمسمَّاة «النزعة القتالية Militant Tendency»؛ بل إن زعيم حزب العمّال آنذاك، مايكل فووت، والمحسوب على اليسار، وقف في الاجتماع السنوي للحزب في سنة 1983م ليقول بصوت متهدج ومؤثر بأنه سيحارب هذه النزعة ما دام يتنفس في هذه الحياة.
إن ما أشار له الكاتب الدكتور أبوطالب في نهاية مقاله بالقول: «كلهم يبحثون عن مصالحهم، وحتى داخل ديمقراطيتهم التي تأسست على دستور عظيم، هناك قدر كبير من النفعية والميكافيلية والمناكفات المفتعلة والسيناريوهات المحبوكة التي على العالم الانشغال بها والاصطفاف مع طرفيها أو أطرافها، بينما هذا العالم بكبره لا يمثل أهمية للإدارة الأمريكية، جمهورية أو ديمقراطية؛ إلا بمقدار ما يتحقق من مصالح تخدم سياساتها وإستراتيجيتها»، إن هذه الرؤية المضيئة هي التي يجب أن نعيها، كما يجب أن تحكم تصوراتنا ورؤانا إزاء جميع التيارات في العالم، بحيث تكون لنا معرفة عميقة بما يجري حولنا، ولا يمكننا تحقيق ذلك إلا من خلال تكوين مراكز بحث رصينة، يُختار إليها ذوو الشأن في هذا الاختصاص، وتُنتدب إليها الأقلام الواعية البصيرة، ذات الرؤية الاستشرافية العميقة، وتكون مخرجات هذه المراكز هي التي تؤسس علاقتنا بالآخرين وفق مصالحنا أيضًا بعيدًا عن حالة «الأمّية السياسية»، التي تدفعنا إلى اتخاذ مواقف لا تخدم مصالحنا، وتضعنا بكل سذاجة في موقف المناصر دون علم، والمتابع دون بصيرة، والمنقاد دون وعي.


