Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

ابن تنباك والسيف وكافيهات الثقافة!

A A
· العزيزان د. مرزوق بن تنباك، و د.توفيق السيف مثالان بارزان للمثقف والتنويري السعودي الناضج والمعطاء والمتفاعل مع قضايا أمته.. ففضلاً عن دورهما المهم والواضح في توسيع رقعة استخدام العقل في الكثير من قضايانا الدينية والثقافية والاجتماعية، وتقديمهما لرؤية تجديدية وعقلانية معاصرة من خلال ما يكتبان في الصحافة، فلا يمكن أن تخرج من تغريدة لأحدهما دون لمحة فكرية عميقة تضيء جانباً من تلافيف عقلك.. ومن حسن حظنا أن هذين العلمين عاشا (عصر تويتر) و (زمان الوصل) ليس بالأندلس كما قال ابن الخطيب، بل زمن التواصل الاجتماعي، الذي أذاب الفوارق المكانية والزمانية واضعاً المرسل والمستقبل على ذات موجة التردد الفكري، مما مكّن هذين العلمين وغيرهما من مثقفينا الحقيقيين من أن يدفعوا شيئاً من فكرهم إلى متابعيهم.. غير أن الملاحظ واللافت في آن؛ هو أن هذه النتاجات الثقافية -على أهميتها- تظل جهوداً فردية لا رابط يوحدها ويعززها، ولا بوتقة فكرية تساعد في ازدياد تفاعلها، وتكثيفها لمصلحة الوعي الجمعي.

· لا شك ان لغياب مشروعنا الثقافي السعودي دوراً كبيراً في هذا، فإذا كانت الثقافة بمفهومها الشمولي تعني كل أنماط النتاج والحراك الإنساني للمجتمع، بما في ذلك العقائد والتراث والأخلاقيات والآداب والفنون واللسانيات وصولاً للقيم الإنسانية الإيجابية التي يتم تذويبها أحياناً وتجزئتها (كما تفعل وسائل التواصل) وبثها بثوب جديد باعتبارها منتجاً جديداً، فإن أي مشروع تنموي ثقافي لابد أن يقوم على محورين مهمين أولهما: الموقف الموحّد من الثقافات المعاصرة (وهذه قضية القضايا)، ثم: الموقف من التراث المحلي وإعادة تقييم حركة تفاعله.

· لا يخفى على أحد أن الثقافة العربية عموماً تعيش أزمة تضاؤل كبرى أمام الثقافة الجماهيرية الطاغية.. ولا شك أن هناك وعياً متزايداً بحالة الشتات والضعف التي تعصف بعموم الثقافة العربية المعاصرة، الناجمة عن استبداد الثقافات الجماهيرية المستجدة؛ وما تحمله من أفكار ومفاهيم سطحية قذف بها (المال) لتتسيد المشهد وتفرض نفسها على شكل (كافيهات ثقافية) تدفع بالمتلقي نحو (مُتع) سطحية تشده نحو سباق غرائزي لاهث لا نهاية له؛ يقوم على مبدأ العصا والجزرة ، وسيبقى هذا الوعي في نطاق (العين بصيرة واليد قصيرة) ما لم يُسند بمشاريع ثقافية قوية تعيد الموازين المقلوبة الى وضعها الطبيعي.

· إن الخروج من أزمة (كافيهات ثقافة الغرائز) لا يتطلب أكثر من بلورة مشروع مقاوم، يرفع من قيمة مثقفين حقيقيين، ويوحّد جهودهم، ويُعلي في الوقت ذاته من مساحة استخدام العقل مقابل الغرائز.. مشروعٌ يقدم رؤية تجديدية وعقلانية و(مُقنعة) لكل قضايانا المعاصرة. مشروع لا يتجاهل الثقافات الشعبية بل يحترمها وينطلق منها، مشروع يرتكز عل أكتاف مثقفين مرتبطين كفاحاً وهمّاً بوعي مجتمعنا وقضاياه العامة، لا تجّار و (باريستا) ثقافة!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store