يحق لبعض الناس ألا يصدقوا بعض الجوانب العلمية المكتشفة حديثًا لعدم قدرة العقل على تقبلها، وكما يقال لا يمكن هضمها وما دام وصلنا الى كلمة الهضم فحديثنا هنا عن الجهاز الهضمي والموضوع الذي لا يستسيغ بعض الناس قبوله مع أنه مثبت علميًا هو تواجد البكتيريا في الجهاز الهضمي في جسم الإنسان، تعيش معه طوال حياته لدرجة أن هذا التخصص أصبح له مصطلح علمي هو الميكروبيوم microbiom الذي يعني البكتيريا والكائنات الدقيقة الأخرى التي تعيش في الجهاز الهضمي في الإنسان بدون علمه أو حتى استئذانه، فهناك تشكيلة من البكتيريا في داخل جسم الإنسان مفيدة له وتقدم له خدمات صحية مجانًا إذا أنعدم وجودها في أمعائه يتضرر كثيرًا ويكون تكاثرها بأعداد مذهلة كي تقوم بخدماتها الهضمية ومع أن هذا الأمر ليس جديدًا من الناحية البيولوجية إلا أن الجديد هو الربط بين هذه الكائنات الدقيقة (البكتيريا) التي في الجهاز الهضمي وبين السلوك والتصرفات والمشاعر والأحاسيس والنواحي الاجتماعية بما يعرف بالمصطلح العلمي بمشاعر الأحشاء تمامًا كمشاعر القلب أو أحاسيس النفس.

وفقًا للدراسات الحديثة فان كمية ونوعية وحيوية البكتيريا في الأمعاء للإنسان (تركيبته الميكروبيومية) يمكن أن تحدد مشاعره وسلوكه وأحاسيسه ومواصفاته الاجتماعية ونواحيه النفسية فالعلاقة بينهما كبيرة جدًا، هناك مقولة تتوافق مع هذا المعنى حيث كان يقال «يمكن للمرأة أن تعرف الرجل من بطنه» تعبيرًا عن اختياره وتفضيله لطعام معين إلا أن هذا التعبير اليوم تفسيره العلمي أن تركيبة البكتيريا التي في بطنه هي التي تتذوق وتطلب طعامًا محددًا تنمي عنه مشاعره نحو الطعام بما يمكن تسميته بمشاعر الأحشاء، وقد درس مجموعة من العلماء هذه الظاهرة منهم من درسها من الناحية الاجتماعية خاصة ما له علاقة بالاختلاط الاجتماعي وحب مخالطة الآخرين من عدمه ومن أهم تلك الدراسات ما له علاقة بالتوحد حيث أن حالات التوحد ذات ارتباط وثيق بالناحية الاجتماعية وليست على نمط ومستوى واحد فبكتيريا الأحشاء تتابين بينهم من حيث الكمية والنوعية، وعليه تكون شخصياتهم الاجتماعية ولكون الأمعاء (الأحشاء) ترتبط بالجهاز العصبي فهناك مجالات مفتوحة أمام دراسات تربط بينهما وبين بكتيريا الأمعاء خاصة بين الجهاز العصبي ممثلا بالمخ وبين السلوك والنواحي النفسية من جهة وبين بكتيريا الأمعاء من جهة أخرى، صحيح أن هناك دراسة تمت في هذا المجال لكن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الأبحاث لإلقاء الضوء عليه.

ومن الجديد أن بكتيريا الأمعاء للرياضيين ذات نوعية ومواصفات تختلف ومميزة عن البقية خاصة البارزين منهم حيث تمت دراسة على مجموعة منهم وتبين أن البكتيريا لديهم تتصف بأنها مانحة وداعمة للجسم بالطاقة، وعليه هناك تفكير في استثمار ذلك النوع من البكتيريا في إنتاج تركيب غذائي للطاقة تمامًا مثل استخدام بكتيريا القولون بعد هندستها وراثيًا في إنتاج الأنسولين، وهكذا فان الجهاز الهضمي في الإنسان لا يمثل نفسه فقط في عملية هضم الطعام وتذوقه إنما هناك تواجد لمخلوقات أخرى أمرها الله سبحانه وتعالى أن تصاحبه وتقوم بوظائف محددة وفي غيابها ضرر على الإنسان وهضم طعامه وكذلك على مشاعره وأحاسيسه ونواحيه الاجتماعية وعلى نفسيته وعصبيته.