وتدور عقارب الساعة مسرعة دون كلل.. ويتعاقب النهار والليل لنقترب من دخول الأشهر الحرم، وما هي إلَّا أيَّام في عمر الزمن ليهلَّ شعبان تقدمة لشهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والغفران.. وكلُّنا مطالب أمام خالقه بتقديم كشف حساب سنوي لما أنجزناه من أعمال الخير والإحسان، ولما ابتعدنا فيه عن المعاصي والسيئات.
الجدير بالملاحظة، مع تقدُّمنا في العمر، السرعة المضطردة في دورة عقارب الساعة متمشِّيا مع قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
دقَّاتُ قلبِ المْرءِ قائِلةٌ لهَ
إِنَّ الحياةَ دَقائِقٌ وثَواني
فَارْفَعْ لنفسِكَ بعد مَوتِكَ ذِكرَهَا
فالذِّكْرُ لِلإِنْسانِ عُمرٌ ثَاني
ولا ريب أنَّ بين ظهرانينا من مَنَّ الله عليهم بالعمر، وشابت رؤوسهم، لكن يتمتَّعون بخصلتين: الحرص وطول الأمل.. وسواهم من مكّنتهم الطفرات الاقتصاديَّة والعلميَّة من التسلُّط والسيطرة على مقدَّرات الأمم والشعوب المغلوبة على أمرها، فعاثوا بالاقتصاد العالمي فسادًا وبكرامة الإنسان إذلالًا، لكأنَّهم يماثلون فرعون مخاطباً رعيته: «أنا ربُكم الأعلى، فاعبدون».. وجاء تكليف ربنا جلَّت قدرته لنبيِّه موسى وَأخيه هارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
اليوم، مع ما يعمُّ العالم من طغيان القوى المتحكِّمة بأمن الأمم والشعوب وأمانهم ولقمة عيشهم، ولكون رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام آخر الرسل والأنبياء، فقد جاء التنبيه الرباني لجميع مخلوقاته بأنَّه جلَّت قدرته وعظمته قادر على إيقاف الطغاة عند حدودهم، وإفشال مخطَّطاتهم تمامًا كما أفشل خطَّة من حاولوا هدم بيت الله الحرام في مكَّة المكرَّمة بأن أرسل عليهم طيرًا أبابيل رمتهم بحجارة من سجِّيل فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ. فهاهو وباء (الكورونا) قد ضرب العديد من الأمم والشعوب مهدِّدًا حياة العديد ممن أصابهم الوباء القاتل، ولا يسلم إلَّا من عرف، وآمن بأنَّ الله رحمن رحيم طيِّب يحبُّ كلُّ ما هو طيِّب من مأكل ومشرب وملبس ونظافة الجسم والأطراف.
وعلى تعدُّد روايات منشأ هذا الوباء، سواءً من طعام أو مشرب أحلَّه البشر ونهى عنه الخالق، أو من صُنع دولة أو دول كبرى لاستخدامه سلاحًا عضويًّا ضدَّ شعوب أو أمم إمعانًا في اخضاعهم، تبقى إرادة الله أقوى منهم ويد الخالق جلَّ وعلا فوق إيديهم.. ويردُّ كيدهم لنحورهم.. والله غالبٌ على أمرِهِ، ولكنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لا يعلمونَ.
ويحدونا يقين نحن الذين نؤمن بالحديث الشريف بأنَّ الله ما أنزل من داء إلَّا أنزل له الشفاء، بأن أعين حكومتنا الرشيدة ستبقى يقظةً، وستحول بما لديها من خبرة وكفاءة دون وصول هذا الوباء الينا لأنها تضع دائماً كلَّ الإمكانيات والقدرات لحماية مملكتنا وشعبنا من أي سوء أو مكروه.. ومع أنَّ الوقاية خيرٌ من العلاج.. فتضافر كليهما: الوقاية والعلاج درعنا وسبيلنا لحياة أسلم وأضمن.


